رامي عياش والروقان
ربما سمع بعضنا أغاني شبابية أو شعبية فيها نمط غنائي جديد، أو موضة غير معهودة بعد تناقص كبير في نصيب الموسيقى الطربية الكلاسيكية؛ لكن الكلمات التي تفوح من بعض تلك الأغاني جديرة بالتأمل، وكذلك الأمر في متابعة تطورات ما يفكر فيه صانعو وجدان الشعوب العربية. كانت الأغاني الرومانسية طاغية على سوق الفن في المنتجات المسجلة، أو الحفلات الحية، أو حتى دندنة الناس بمفردهم، أو مع أصحابهم في الرحلات وجلسات الأنس. غير أن طوراً آخر بدأ يغزو الساحة بأغانٍ كلماتها فلسفية أو وجودية، وكلمات تسائل العقل، أكثر مما تدغدغ المشاعر.أصبحت المشاعر – بما فيها أحاسيس الحب – من القضايا العملية، التي تخضع للحاجة الآنية، ولا تتجاوز حد المنفعةكانت هذه القصائد المغناة تبتعد عن الأنماط التقليدية، التي ألفها الناس بالتوجع على الفراق، والتوسع في ذكر آلام الحب المبرحة، وما يعانيه المحبون جراء ذلك من عذابات تمنعهم من النوم؛ حتى أصبح وصف الشعراء – والمحبين منهم على وجه الخصوص – يقترن بالسهر الطويل في الليالي، والأجسام النحيلة بأسباب تلك المعاناة، التي تشبه أعراض الأمراض. وقد صارت ثقافة شعبية، أن الناس إذا رأوا أحداً قد نحل جسمه، أخذوا يحققون معه في العلل التي أدت به إلى تلك الحال، وأول الاشتباهات تكون في كونه وقع فريسة للعشق ومتعلقاته. لكن تلك الصفات أخذت في الانحسار، وبدأت هذه الأغاني تتجه إلى أشكال من التعبير عن الذات غير معهودة في التراث العربي القديم، ولا في أنماط التعامل مع موضوعات الحياة بشكل عام، من مثل الأغنية الرائجة لرامي عياش بكلمات واضحة فيما يرغب فيه المرء بلغة واضحة، وأفكار عملية لم يعهدها الناس في الشعر المغنى على وجه الخصوص، من مثل: "أحب الناس الرايقة اللي بتضحك على طول – أما العالم المتضايقة أنا ما ليش في دول" ما تعريف الناس الرايقة عنده؟ هم أناس تركت الهمّ خلف ظهرها، واتجهت إلى الضحك باستمرار، والاستخفاف بمتاعب الحياة .. هؤلاء هم أصحابه، الذين يحرص على مرافقتهم؛ وخلافاً لذلك: العالم المتضايقة، الذين لا يرغب في صحبتهم، ربما لأنهم كما تقول المقولات الشعبية: "يقصرون العمر"! وكيف يسلم المحب أموره في الحب إلى القدر؟ بين أن يحسبها هو منطقياً، أو أن يترك أمور الحسبة للرب في مسعى براجماتي. فأصبح الاتجاه بهذا المنحى بدلاً من حكايات الدموع والعمر الضائع بدون المحبوب، والتباكي على لحظة رأى فيها المحب حبيبته؛ وراحت على أصحاب الأصوات الشجية أو الحزينة كما يطلق عليها محبوها. فقد أصبح الشعر الغنائي أكثر واقعية، والتصاقاً بحياة الناس الفعلية. إذ إن الناس في الواقع لا يضيعون كثيراً من الوقت في الاستجابة لمشاعر الغزل والبوح بالمشاعر، بقدر ما يتفاعلون مع معطيات المنفعة – من مكاسب مادية وما يتبعها، أو الراحة النفسية وأمور الفرفشة وسعة الصدر (كما يقولون) – وهي أمور يفرضها إيقاع الحياة المعاصرة. فقد أصبحت المشاعر – بما فيها أحاسيس الحب – من القضايا العملية، التي تخضع للحاجة الآنية، ولا تتجاوز حد المنفعة. فظهرت أغانٍ من نوع: "ياللي ما يحب النسوان ..."؛ لم يعد الغرض امرأة واحدة يحبها الرجل، ويتهاوى في عشقها، بل هي مجموعة من النساء يفتنّه بجمالهن، ويستمتع بحبهن العابر. فهل أصبحنا في عصر الرأسمالية الغربية دفعة واحدة؟ من يسمع انتقادنا المستمر لتلك المبادئ المادية في التفكير الرأسمالي الغربي، والسعي إلى تشييئ كل عناصر الحياة بما فيها العلاقات بين البشر، لا يظن بأننا سنسقط بهذه السهولة في شرك هذا النموذج؛ لكنها الازدواجية الشرقية، التي تفرض إنكار الأشياء نهاراً، وممارستها في مساء اليوم! هل يمكننا في هذا السياق تلخيص تطورات الحس النقدي عند المتلقي العربي خلال حقب الحياة العربية في العصر الحديث؟ بالذات خلال قرابة القرن من الزمان حدثت في البيئة العربية تغيرات كبيرة في ذلك الحس؛ فبعد أن كان العربي في العقود الأولى من القرن الماضي ينطلق في كل تصنيفاته وثقافته من حس قومي مقاوم للاحتلال أو الاستعمار العسكري والثقافي، بدأت صياغة ذلك المد تنحو باتجاه عروبي وحدوي في مناطق متفرقة من البلدان العربية. وتحولت الموسيقى العربية في أوج انتشار ذلك المد، إلى حفلات طرب أصيل لقصائد ذات بعد ثقافي عربي واسع، خاصة في مصر ولبنان. إذ انتشرت في هذين البلدين معاقل الفن العربي قرابة ثلاثة عقود؛ فقد مرت على العرب أزمنة يستمعون فيها نهاراً إلى خطب القوميين العرب، وخاصة الرئيس المصري جمال عبدالناصر، وفي الليل يستمعون إلى صوت أم كلثوم الصداح أو فايزة أحمد ووردة الجزائرية وصباح وفيروز يتغنون بأغاني الحب الخالدة، وبعض عيون الشعر العربي الكلاسيكي. لكن بعد أن طغى التحول في الثمانينات إلى النموذج الرأسمالي، وسياسات الخصخصة التي حولت المجتمع المصري، وبقية البلدان العربية. أصبح الغناء الشعبي من نوع شعبان عبدالرحيم وغيره من أصحاب الكلمات الشعبية البسيطة جداً، مما يصلح أن يُغنى في الأفراح أو المناسبات الخاصة، لكن لا يكون محققاً للنجومية، كما أصبح الحال في مصر وفي غيرها. فصارت الناس تبحث عن أغاني الفرفشة والدح امبو كما كانت تسمى أيام الفن العريق .. فلا غرو أن يخرج رامي عياش وغيره ليعبروا عن حبهم للناس الرايقة، ونفورهم من العالم المتضايقة، ودقي يا مزيكا على حبة ونص!.