حسن السبع

معذرة .. لم تثمر الأشجار !

"معذرةً، يا صحبتي، لم تثمر الأشجارُ هذا العام"! يعتذر صلاح عبد الصبور عن عام واحد، فكيف يكون شكل الاعتذار عن عقود لاحقة من المواسم العقيمة؟ وكيف يكون شكل الاعتذار لعبد الصبور ومن جايله أو سبقه من أدباء ومفكرين  ومثقفين عن الأشجار التي غرسوها منذ بداية القرن الماضي فذبلت وذَوَتْ ثم ماتت على أبواب الألفية الثالثة؟ كان التطلع للمستقبل حينها مختلفا عما هو عليه الآن، ربما كانت جرعات التفاؤل عالية، والرهانات كبيرة، ولعل في أجواء تلك الأيام فسحة أوسع يتسلل منها التفاؤل والأمل.العادات والتقاليد والأعراف والمفاهيم الخاطئة فقد أصبحت بفعل التقادم حقائق ومسلَّمات يمنع الاقتراب منها، ثم أصبحت عقبات في طريق الاجتهادأما اليوم فالمستقبل، وفي ظل المعطيات الحاضرة، محاط بالغموض. كانت الأنظار تتطلع إلى الأعلى غير أن جاذبية الهاوية كانت أقوى. وكانت الأنوار الثقافية التي استهل بها القرن الماضي كافية لرؤية معالم الطريق، لكنها لم تجد بيئة حاضنة، فانطفأت أو أُطفئتْ، بعد أن اختطف الدور بائعو الوهم. وأراد اللاحقون مواصلة الدرب على ضوء المصابيح التي أضيئت. فكانت الغلبة للريح على المصباح. لم تكن التربة مهيأة لنمو تلك الأشجار. لم يعد "اللامعقول" اليوم نصا فنيا متخيلا، بل صار واقعا أغرب من الخيال. ولم يعد "العبث" مذهبا فنيا، بل صار طوفانا جارفا يجتاح الحياة السياسية والاجتماعية. ذهب المنطق مع الريح، وذهبت معه القيم الجميلة. صارت سلعا تباع، بعد أن صار كل شيء برسم البيع من الفن إلى الضمائر والأخلاق.  "خلا لكِ الجوُّ فبيضي واصفري/ ونقّري ما شئتِ أن تنقّري". وقد خلا الجو بعد ذلك لأصحاب المشاريع الضبابية التي تعوزها الرؤية الواضحة، وينقصها الصدق. وتلقَّف بعضهم الأفكار على علاتها، دون النظر إلى سياقها التاريخي أو الثقافي، وفي غياب الرأي المستقل والحس النقدي القادر على الفحص والغربلة، أصبحوا صدى لأصوات أخرى، وصنائع حلمٍ حَلُم به سواهم. ثم سادت ثقافة الاستهلاك، وفتحت الأبواب على مصاريعها لجميع أنواع السلع الاستهلاكية الآتية من كل أصقاع الأرض، وأغلقت، في الوقت نفسه، المنافذ التي يمكن أن تتسلل منها القيم الكونية المشتركة المصاحبة لتلك المعطيات المادية.  وخلا الجو لدعاة العيش في الجزر المعزولة النائية، ممن يخشون التواصل مع التجارب الثقافية والحضارية الأخرى. نسي، أو تناسى، أولئك أنه لا مستقبل لأي فكر أو ثقافة لا تتواصل أو تتحاور مع ثقافات العالم المختلفة. أما العادات والتقاليد والأعراف والمفاهيم الخاطئة فقد أصبحت بفعل التقادم حقائق ومسلَّمات يمنع الاقتراب منها، ثم أصبحت عقبات في طريق الاجتهاد والابتكار والإبداع والتجديد، وحواجز تحول دون التطلع إلى الأمام. معذرة، يا سادة، فقد ضاعت البوصلة في ليل هذا المحيط الصاخب، ومعذرة عن هذه الفوضى العارمة التي تتسكع في طرقات وساحات المدن. فتكتسح كل ما هو أصيل وإنساني وجميل. ومعذرة عن غياب لغة المنطق، وعن الحماقة التي تعيد تدوير نفسها في صور وأشكال مختلفة. وعن الحرائق المشتعلة هنا وهناك. لقد اتسعت مساحة الحريق، وما عادت مياه الأرض قادرة على إطفاء النيران الممتدة من الماء إلى الماء. وما عاد في استطاعة كل مصحات العالم العقلية إيقاف ذلك الجنون.     وبعد، هذه مجرد مقارنة خاطفة بين زمنين ثقافيين مختلفين، وليس وقوفا على الأطلال، أو بكاءً على اللبن المراق. ومعذرة، يا صحبتي، إن كنت قد أثقلت عليكم.