د. أمل الطعيمي

سكاكين القبائل والحمقى

(كانك رجال انزل... اقرب... نتواجه) يا له من استفزاز أهوج للرجولة! وأي رجولة تلك التي يهزها السفة والحماقة التي لا ميزان يحكمها ولا حكمة تقف لها بالمرصاد.. حين تكون عواقبها وخيمة على المستفِز والمستفَز ومن له صلة بهما حين تعظم النار من مستصغر الشرر. تلك العبارات أكثر من يكررها هم من الشباب الطائش الذين لم تنضج الرجولة فيهم بعد، ولذا تنجح تلك العبارات وأشباهها في تصيدهم بشباكها التي يتساقطون فيها ثم منها قتلى أو جرحى، فتكون النتائج سيئة ومرة كالعلقم حين تفقد الأسرة أحد أبنائها مقتولاً، وتفقده الأسرة الأخرى بالسجن والقصاص.من يخمد ذلك الصوت الآن ولا يطلق لسانه في الشر؟ ومن يعيد للقبيلة عقلها واتزانها بعد أن تبارت بعض وسائل الإعلام في الإعلان عنها والتغني بألسنهالا يتحرك بعض الشباب إلا وسكين الغدر في جيوبهم أو تحت مقاعد سياراتهم، فيسهل الوصول إليها وتسهل عليهم الحمية الجاهلية الحمقاء أن يطعنوا بها قلب هذا وظهر ذاك. سكاكين تباع في كل مكان لا فرق بينها وبين قطع الحلوى، فهي تجاورهم في الأرفف معروضة لمن يرغب باقتنائها ووزارة التجارة لا تحرك ساكناً في ذلك ولا تقف لمروجي السكاكين بالمرصاد؛ لتحاسب وتمنع وتعاقب كما تمنع البضائع الفاسدة قبل أن يقع ما لا يسر، فهي وإن كانت ذات ثمن مادي زهيد يسهل دفعه إلا أن لها ثمناً باهظاً، ولكن من ذا الذي يبالي بثمن نتائجها السوداء؛ ثمن يدفع بالأرواح وزلزلة الطريق إلى الحياة هذا إن كان هناك متسع للحياة بعد أن يبدأ الجمع الغفير من رجال القبيلة بطرق الأبواب لجمع مبلغ الفدية التي تعدت أرقامها حاجز المليون العاشر ليختلط الحق بالباطل والحزن بفرح الغنائم!! أي مشاعر تلك التي يتلاعب فيها الناس بعد أن يشعل شرارتها الشيطان بسكين رخيصة أو باسم للقبيلة. عادت بعدما اختفت تنابذتها الفخرية لسنوات، فما كنا نسمع باسم القبائل إلا حين يتعلق الأمر بالنسب والمصاهرة، فقد فرضت عليها المدنية أن تتزن وتكون «عون لا فرعون»، ولكنها عادت تحمل سيوفها من أجل كلمة، وتطيح بالرؤوس من أجل ناقة، فيفقد الشيوخ حكمتهم واتزانهم، ويشاركون الشباب طيشهم في كل مأزق باسم القبيلة تارة وبالقصائد التي تنافس قصائد القدماء بما فيها من (هياط) تارة أخرى، وإن اختلفت اللهجات عن اللغة الأم. لقد أسفرت بعض القبائل عن وجوهها في السنوات الأخيرة بتشجيع أهوج لم يحسب لتبعاته حساب، وصارت أسماء القبائل وقصائدها الفخرية حاضرة في كل الميادين بلا استثناء، حتى وصلنا إلى مرحلة نسمع فيها من يقدم مختصر السيرة الذاتية في محفل من المحافل العلمية الدينية وهو يقول: وينتسب الدكتور الشيخ... إلى قبيلة...!! هنا نقول: إن كان هذا حال رجل العلم والدين، فلا عتب على الآخرين!! ولا عتب على ميادين الشعر والشعراء ومنابرهم وجوائزهم المليونية التي تحصد الملايين قبل أن توزع الفتات، ولا يعلم من يقومون عليها أو ربما يعلمون ويتجاهلون أنهم يوزعون الفتنة والتشرذم التي تلقفها الكبار والصغار فصاروا يَقتلون باسمها ويُقتَلون! فمن يخمد ذلك الصوت الآن ولا يطلق لسانه في الشر؟ ومن يعيد للقبيلة عقلها واتزانها بعد أن تبارت بعض وسائل الإعلام في الإعلان عنها والتغني بألسنها ورفع أصوات التفاخر بها، وكأننا عدنا كما كنا قبائل متناحرة من أجل البقاء، نتشرذم من أجل قصيدة تنز بصديد الجهل أو جائزة مالية تتصارع من أجل اسمها القبائل، أو ناقة حازت على مواصفات الجمال. أين الدين الذي أمات الثأر القبلي بالعقل ودعانا لإكرام أتقانا لأن الله أكرمه على الشعوب والقبائل بتقواه لا بشيء آخر؟ أين عمق الدين الذي قيد سواعد الباطل والجرائم بالقصاص القرآني؟ أين صوت العقل والحزم في القبيلة؟ ولماذا طغى عليه وتجبر صوت داحس والغبراء وصوت عمرو بن كلثوم وجرير والفرزدق. ما بالنا كلما منحنا الله سبل الخلاص وحياة الانعتاق نضيق على أنفسنا.