من قلم القَصَب إلى الماوس
لو نطق الأموات لتبخرت حكايات وتهافتت روايات. لكن يقال، والعهدة دائما على الراوي: إن الجاحظ فارق الحياة بعد أن سقطت عليه كومة كتب فقتلته. ولم أجد إشارة لهذه الرواية في بعض الكتب التي تناولت حياته وآثاره. فقد توفي وقد نيّف على التسعين، وكان يعاني من الفالج (الشلل النصفي) ومن مرض النقرس. ولو صدقت تلك الرواية فإن مجموع الكتب التي سقطت على الجاحظ يمكن تخزينها، في أيامنا هذه، على (فلاش ميموري) صغير، لو سقط على نملة لما آذاها. نعم، صار كل شيء ميسرا. فمن قلم القصب والأغصان المدببة إلى قلم الحبر وقلم الرصاص والقلم الجاف، إلى لوحة المفاتيح الرقمية digital keyboard، ومن الكتابة على الطين ولحاء الشجر والجلود وغيرها، إلى الكتابة عبر الشاشة على «صفحة إلكترونية» وفأرة «تُهْمزُ» فتنسخ وتقص وتلصق وتحذف وتصغّر وتكبّر وتحدد وتلون وتسطّر وتميز النص، كل ذلك، والصفحة بيضاء نظيفة وخالية من الشطب والخربشة، وسلة المهملات خالية من القصاصات.الإنجاز الثقافي المتحقق عربيا لا يتناسب وحجم تلك التسهيلات التقنية الكبيرة، ولا يقارن بما أنجزه الأولون ممن أسهموا في إثراء الثقافة الإنسانية بآثارهم الأدبية والفكرية، أو اللاحقون من مثقفي خمسينيات وستينيات القرن الماضيوفي مقابل هذا «الترف الإلكتروني» يتذمر أحد الكتاب القدامى قائلا: «تَبَّا لرزقِ الكتبةْ/ تَبَّا له ما أصعبهْ/ تَبَّا لرزقٍ يُقتنى/ من رأس تلك القصبة»!. ومن الواضح أن قائل هذين البيتين قد قصد بقوله النسَّاخ وموظفي الدواوين، لا الكتبةَ من الأدباء. يمكنك، كذلك، أن تتصور العالمَ أبا الريحان البيروني (973_ 1048) وقد شدَّ الرحال من بخارى، حاضرة خراسان، آنذاك، إلى بلاد الهند طلبا للمعرفة، وأن أحد أهداف رحلته الاطلاع على مخطوطـة نادرة، وتصور ما يحف بتلك الرحلة من المتاعب والمخاطر وكمائن قطاع الطرق. أما المكتبات، آنذاك، فلم يكن دخولها متاحا للجميع، بل كان حكرا على قلة قليلة من الأشراف والأعيان المقربين من السلطة. وفي المقابل لا يضطر المثقف أو الكاتب، الآن، إلى الابتعاد عن طاولة الكتابة طلبا للمعلومة أو لاقتناء كتاب. نقرة على (كتِفِ) الفأرة الطيعة فيحصل مجانا على المعلومة من روابط البحث الإلكتروني. أو تفتح له المكتبة الرقمية أبوابها فيشتري إلكترونيا ما يشاء، مستخدما البطاقة الائتمانية. غير أن الإنجاز الثقافي المتحقق عربيا لا يتناسب وحجم تلك التسهيلات التقنية الكبيرة، ولا يقارن بما أنجزه الأولون ممن أسهموا في إثراء الثقافة الإنسانية بآثارهم الأدبية والفكرية، أو اللاحقون من مثقفي خمسينيات وستينيات القرن الماضي. فمازالت مؤلفاتهم تحتل الجزء الأكبر من رفوف المكتبات الخاصة والعامة، ويُعتمد عليها كمراجع للكتاب وطلاب المعرفة. ولا حاجة لاستعراض عناوين الموسوعات التاريخية أو اللغوية التي أنجزها هؤلاء وأولئك بجهود فردية، وطرق بدائية، تناط، الآن، مهمة إنجازها إلى مؤسسات كبيرة، وتُرصد لها أموال طائلة، وتضم فرقَ عمل من الكتاب والفنيين وذوي الاختصاص في مختلف المجالات العلمية والفكرية والأدبية. نعم، يوجد في أيامنا هذه كمٌّ هائل من المؤلفات تفوق من حيث العدد ما أنجزه السابقون، ولكن لا تسل عن القيمة الأدبية والفكرية والإبداعية لتلك المؤلفات. ولا تسل عن الأثر الإيجابي الذي تركه ذلك السيل من المؤلفات في الحياة الثقافية والاجتماعية، فهو لا يكاد يذكر. ناهيك عن الآثار السلبية لبعض المؤلفات التي ساهمت في تسويق الغفلة، وتنشئة شريحة اجتماعية تعيش على الهامش، أو تصطف في الجانب الآخر المناهض للحياة وجمال الحياة والتنوع الفاتن لهذا العالم.