د.إحسان بوحليقة

أفضل من يَحفر بئراً

كنت أظن حتى أيام مضت أننا من أكثر البشر خبرة في حفر الآبار، فبلدنا من أكثر بلدان العالم إنتاجاً للنفط، والنفط -كما نعلم جميعاً- يقبع في حقول ويستخرج بحفر آبار، وهناك أساليب متعددة لحفر الآبار بعضها غاية في التعقيد الفني والعمق العلمي؛ ففضلاً عن الحفر الرأسي، هناك حفر أفقي، وربما هناك حفر وتدي لا أعرف، لكن ما أعرفه أن هناك أسلوباً لحفر بئر متشعبة، أي متعددة الاتجاهات، للوصول للمكامن. ما أعرفه كذلك أننا «بَدّعنا» في حفر آبار الارتواز لاغتراف الماء من أعماق سحيقة. ولعل الأمر الأهم أن خبرتنا في حفر الآبار ليست مبعثرة بل متراكمة عند شركة من أكبر شركات النفط في العالم، ففي بداية العام 1938 تدفق النفط من أول بئر سعودية، كما هو معروف. ومنذ الانطلاقة الأولى لانتاج النفط وتأسيس شركة من أجل ذلك والمواطنون يعملون فيها من البادية والحضر، وقد أضافوا لما لديهم من خبرة متوارثة في الصحاري والفيافي والقفار والاستدلال على الأماكن (القص) وتتبع وجود الماء في مسالك الصحراء بما في ذلك الآبار القديمة..أضافوا علماً في أفضل جامعات العالم ومعاهدها، ثم اكتسبوا خبرات على مدى عقود في التعامل مع استكشاف مكامن النفط وطرق استخراجه وانتاجه، وأضافوا لذلك توظيف واستخدام كل ما ابتدعه العقل البشري من تقانة ومخترعات وأجهزة وكمبيوترات وكاميرات ووسائل اتصال سلكية ولاسلكية، ومعدات تعمل في الحاضرة والبادية وفي البحر، وتعمل كذلك في قلب الصحاري وفي أعالي الجبال وفي قاع الوديان وفي جوف الأرض، ومن لديه شك فليقرأ -على سبيل المثال- عن جهد تطوير حقل شيبة وحفر آباره في مجاهل الربع الخالي، وكيف كان نجاح أبناء الوطن مدوياً مبهراً. وما دمت أحدثكم عن الآبار، فلا بد من ذكر أن تقانة الحفر الأفقي للآبار قد طبقته أرامكو منذ زمن بحثاً عن الغاز الطبيعي، فالخبرة في الحفر الأفقي تعود للثمانينات أي لنحو ثلاثين سنة. والقضية لا تبدأ ولا تنتهي بتكتيك حفر البئر رغم أهمية ذلك، بل يسبقها بحث مسحي لطبقات الأرض ومكنوناتها، وقد تطورت أساليبه لدرجة مذهلة لا سيما بعد مزاوجتها بتقنية الحوسبة والاتصالات. وفيما يتصل بهذه التقانات، يوجد في بلدنا من المواطنين والمقيمين من هم جهابذة في هذا المجال ليس فقط محلياً بل وعالمياً. وعند الحديث عن الأرض وطبقاتها فلدينا هيئة المساحة الجيولوجية، وهي هيئة حكومية تقدم العديد من الخدمات ذات الصلة بعلم طبقات الأرض وتفريعاته بما في ذلك المخاطر الجيولوجية، مثل إمكانية الانهيار عند حفر بئر، وهي تقدم خدماتها تلك للقطاعين الحكومي والخاص. ما أقوله: إن في بلدنا تواجدا مكثفا لأفضل العقول والمواهب -علماً وخبرة- في الجيولوجيا، والمسح الجيولوجي، وحفر الآبار بأساليبها التقليدي والأكثر تطوراً وتعقيداً في العالم، وتحت يديهم أفضل المعدات والتجهيزات والتقنيات، وخبرتهم تتركز في أراضينا بعضهم يعرفها كما يعرف راحة يده. لما أذكر هذا الآن؟ لأقول إن «المرء ضعيف بنفسه قوي بإخوانه»، وان ما قد يصعب على جهة يصبح سهلاً بتعاونها مع جهات.