سكينة المشيخص

المتاجرة بالرقاب في مزاد الديات

أطرح سؤالا تقريريا مباشرا عطفا على حيثيات واقع ووقائع لحالة اجتماعية إقصائية لبعض قيم التراحم والإيثار والزهد، هل أصبحت الديات مجالا للمتاجرة؟ والإجابة في تصريح أخير للأمين العام للجنة إصلاح ذات البين بمنطقة الباحة محفوظ الغامدي، الذي اعتبر المبالغة في ديات القتل ابتزازا ومتاجرة بالدماء، والذي أكد أن العفو لم يكن يوما من الأيام من أجل دنيا أو مظاهر زائلة، وإنما هو شيمة وقيمة لا تقدر بثمن، فما عند الله خير وأبقى.المغالاة في الديات تضاف الى تلك التي في المهور، وطلبات أخرى تفوق قدرات الكثيرين من الأمور التي ينبغي بحثها اجتماعيا من قبل الجهات المعنية للتقليل من أضرارها وتبعاتها؛ لأنها من الخطورة بما يعمل على تفكيك المناعة الاجتماعية، وتشوش على إنسانية الفرد وتجعله يتعامل بصورة مادية مطلقة دون اعتبار للواقع والقيم الاجتماعية، فليست الحياة كلها ماديات، وإنما هناك جوانب معنوية تتكامل معها حياتنا، وتجعلنا أكثر تراحما وتآلفا واحتراما لبعضناالغامدي تحدث عن المبالغة؛ لأن الديات من حيث المبدأ والمقصد من الأنظمة الشرعية هي حفظ أرواح وحقوق الناس، لأننا في الوقت الذي نزايد فيه على خروف بمليون ريال أو تيس بمليونين نذهب للمغالاة في طلب الحقوق الخاصة عتقا للرقاب، وإزاء ذلك فإننا أمام مفارقة غريبة أن تتم المزايدة في بعض الأحيان على الحيوانات بذات التي تحدث على الصعيد الإنساني، وذلك ينطوي على تراجع عميق في فهم الحقوق، لأننا إذا اعتمدنا مبدأ ما عند الله خير وأبقى فلا حاجة للدية حتى نبالغ فيها، فهل تملكنا فراغ في الحصول على أجر الله في العفو.التعامل المادي المحض مشكلة كبيرة في سلوكنا، لأننا بذلك نجعل لكل شيء ثمنا بالريال حتى الروح، سواء كانت بشرية أو حيوانية، وطغيان الجانب المادي الى هذا الحد يتنافى مع الوسطية والاعتدال بين المادي والروحي، فنفقد الأبعاد الروحية والوسطية ونستسلم للغة المادة، وما ذهب اليه الغامدي من وصف ما يحدث في الديات بالابتزاز والمتاجرة بالدماء، إنما هو وصف لحالة اجتماعية متردية؛ قياسا بكونها على حساب قيم وفضيلة العفو، وربما استعجال مطلوبات الدنيا على تلك الأخروية التي بيد الله، وهي الأهم والأكثر قيمة وانصافا.لا بد لنا من استدراك نواقص الوعي الاجتماعي؛ حتى لا يتحول الأمر الى ظاهرة وتغلب الماديات على السلوك الاجتماعي والفردي، والحد المقرر شرعا ونظاما للديات كاف، وإلا فإننا لا نقنع به وبالتالي نرفض الحكم الشرعي، وذلك يدخلنا في متاهة أخرى لا نحبذ دخولها، ولكن لنبقِ على المسار الاجتماعي ونستقصى إهمال الكفاية من الدية المقررة في حق الرقاب، فهي لم تتراجع إلا بسبب تجاهل قيمنا الإنسانية، فالعفو والاكتفاء بالدية المحددة لا ينتقص من قيمة القتيل أو ذويه.المغالاة في الديات تضاف الى تلك التي في المهور، وطلبات أخرى تفوق قدرات الكثيرين من الأمور التي ينبغي بحثها اجتماعيا من قبل الجهات المعنية للتقليل من أضرارها وتبعاتها؛ لأنها من الخطورة بما يعمل على تفكيك المناعة الاجتماعية، وتشوش على إنسانية الفرد وتجعله يتعامل بصورة مادية مطلقة دون اعتبار للواقع والقيم الاجتماعية، فليست الحياة كلها ماديات، وإنما هناك جوانب معنوية تتكامل معها حياتنا، وتجعلنا أكثر تراحما وتآلفا واحتراما لبعضنا، وليس منصفا أن نرتد اجتماعيا في أخلاقياتنا وقيمنا، فيما يمكن تدارك ذلك بعملية جراحية لتصحيح الوعي الاجتماعي، ووضعه في المسار الإنساني الذي يتحقق فيه العدل والكفاية، وتسود فيه القناعة والإثرة والإيثار وغيرها من تلك الجماليات الأخلاقية في النفس والمجتمع.