الوقت يمر .. والقوم نيام
في مطلع كل عام هجري أو ميلادي، يشحذ الكتاب اقلامهم لتسجيل أمانهيم العذبة، متناسين آلامهم المرة التي مروا بها أو مر بها العالم من حولهم، خلال عام منصرم، وإذا كانت تلك الآلام قد أصبحت في خبر كان، فإن الأماني والأحلام رصيدها لا ينفد ولا يحد، فهي تتجدد كلما تجددت الأيام والحياة، وما بداية السنة سوى محطة يستمر بعدها قطار الحياة في رحلته غير المتناهية، وإن توقف هنا أو هناك ليترجل منه من انتهت رحلتهم في هذه الحياة، ولا بد لكل راكب من محطة، يحط فيها الرحال، ليذكر بالخير أو بالسوء حسب ما قدمت يداه، مع أننا مطالبون بأن نذكر حسنات موتانا.الأسوأ منهم من يصدرون الثورات باسم الدين، ويحرضون الشعوب على حكوماتها باسم المذهب، ويحاربون من يختلف معهم باسم الطائفة، لتنشأ حالة من التأزم المزرية والبغيضة والبائسة التي لا تدل إلا على إفلاس أصحابها، وموت ضمائرهمبداية السنة ونهايتها لا تعني شيئا بالنسبة للزمن الأبدي، فهو دائم الاستمرار، لكن الزمن العاطفي هو ما يربطنا بالأحداث، وينظم حياتنا في الليل والنهار، وهو تنظيم من وضع الإنسان الذي اخترع الساعة، واخترع معها سكوكيات فيها من الحماقات أكثر مما فيها من التعقل، وبسبب هذه الحماقات تحدث الحروب وترتكب الجرائم، ويتنامى الظلم بين الناس، وتستشري الفتن بين الجتمعات، والخلافات بين الأمم والشعوب، مع أن الحياة جديرة بأن تستغل في نشر الخير بين الناس، وتحقيق السلام بين الشعوب، وتأصيل القيم السامية في النفوس التي زحفت عليها ظلمة الشر، حتى كادت تقضي على نوازع الخير فيها.في عالمنا العربي تتوفر كل مقومات التكاتف والتعاون والوقوف في وجه قوى الظلام والفرقة والبغضاء، وفي عالمنا الإسلامي تتوفر كل مقومات التضامن والقوة والقدرة على نبذ الخلافات المذهبية والطائفية والعرقية، ومع ذلك فما زال العالم العربي يسير من سيئ إلى أسوأ، وما زال عالمنا الإسلامي نهبا لقوى الشر، وطواغيت الفتنة، والمتاجرين بإنسانية الإنسان، ولعل نظرة متأنية لما مرت به دول ما سمي بالربيع العربي خلال سنوات ثلاث عجاف، تؤكد أن أحلام الشعوب تلعب بها أيد خفية، لا تجيد سوى استثمار الفتن، لتحقيق أكبر المكاسب، وإشعال الحروب لتمزيق الأمم، وإلهاء الشعوب عن حقوقها المشروعة، في الحياة الحرة الكريمة، ثلاث سنوات عجاف لم تثمر سوى مزيد من الاقتتال بين أبناء البلد الواحد، والمدينة الواحدة، والمجتمع الواحد، بل والأسرة الواحدة، ففي أي قائمة يمكن أن تصنف هذه الحالة من الفوضى العربية العارمة؟.الثورات العربية التي أتت على الأخضر واليابس في بلدانها، وأريق فيها الدم العربي أنهارا، وتعرت فيها وبسببها نوايا المتاجرين بقضايا شعوبهم، وما زالت تخضع لمسوغات التبرير، ونظريات الديمقراطيات الهجينة، التي تعاد صياغتها في الغرف المظلمة من أناس هم أكثر من غيرهم تكسبا من ورائها، دون أن يفقدوا عزيزا، أو يخسروا مالا، أولئك هم المنظرون الداعون إلى العنف والتطرف والغلو في القول والفعل، وهم يدركون أنهم في ضلال مبين.والأسوأ منهم من يصدرون الثورات باسم الدين، ويحرضون الشعوب على حكوماتها باسم المذهب، ويحاربون من يختلف معهم باسم الطائفة، لتنشأ حالة من التأزم المزرية والبغيضة والبائسة التي لا تدل إلا على إفلاس أصحابها، وموت ضمائرهم، وانشغالهم بالطائفية، وما تحمله من عفن الفرقة والاحتراب والتمزق، وباسم الدين وليس سواه. هل هو عالم مجنون فعلا؟! كلا العالم في كامل عقله، لكن غربه قد صدر لشرقه هذا الجنون ضمن ما صدر من ثقافات هزيلة، ونظريات بائسة اتخذت من الدول العربية والإسلامية ميدانا لتجاربها، فانساق وراءها المضلَّلُون، منذ سياسة «فرق تسد» إلى نظرية «الشرق الأوسط الكبير»، وصولا إلى تفتيت دول المنطقة والسيطرة على مقدراتها والتحكم في مصير شعوبها.الأعوام تمر تباعا، والعرب والمسلمون في نوم عميق، وكأنهم يستجيبون لقول الرصافي: (يا قوم لا تتكّلموا.. إن الكلام محرَّمُ. ناموا ولا تستيقظوا.. ما فاز إلا النوّمُ).