حسن السبع

كبرنا عاماً آخرَ كالعادة!

لا يشكّل وداعُ عام واستقبال عام آخر انتقالا واضح المعالم إلا على ورقة التقويم،  فالأزمنة متداخلة، وهي امتداد لبعضها، ودائمة السيلان، كما يعبر الفلاسفة، وأن من طبيعتها الحركة، كما أنها لا تبدأ أو تنتهي بتلك الصرامة التي يوضحها التقويم، أي أنها «لا تنصرم على وقع صفَّارة». كما يعبر الكاتب الأرجنتيني آرنستو ساباتو. أما إحساس الناس بالزمن فيختلف من شخص إلى آخر، كما أن قلقهم إزاءه ليس واحدا.ننسى أن نستثمر في الحاضر لنكسب المستقبل. نبدد الحاضر في تفاصيل التفاصيل. نفرد لتلك التفاصيل مساحة من حياتنا، نتشبث بها دون أن نناقش جدواها، أو نزنها بميزان العقل. ندخل في جدل دائري منفصل عن الواقع حول الصوص والبيضة، وأمور أخرى تجاوزها الآخرونيتأمل الشاعر أحمد الصافي النجفي ذلك التناسب العكسي بين سرعة كرِّ الأيام وتطلعاته فيقول: «تتراكض الأيام مسرعة/ ومطامحي كسلى أجرجرها». ولعل طبيعة المطامح والتطلعات وطرق التفكير هو ما يميز زمن هذا عن ذاك، فالإحساس بالزمن ليس واحدا، هنالك من يعيش الزمن، ومن يعيش على الهامش مثل ساعة مبتورة العقارب تعد الزمن ولا تشير إليه. هنالك من يعيش الحاضر، ويتطلع إلى المستقبل، ومن يعيش على ذكرى زمن مفقود. وما يقال عن الأفراد يمكن قوله عن الجماعات، فبعضها يجرجر مطامحه وتطلعاته بحذر شديد وكأنه يسير على جسر آيل للسقوط، وبعضها يسابق الزمن بجرأة وثقة فيسبقه. «يجب أن نعترف أننا سيئون جدا مع الزمن»! العبارة للشاعر أندريه بريتون، وهي تفتح باب التداعيات على مصراعيه، ويمكن فصلها عن سياقها، وإسقاطها على ما نريد. ولأن الوقت جزء من الزمن، فإني كلما رأيت ساعة أنيقة ثمينة تزين معصم صاحبها فكرت في مدى إحساسه بالزمن، أو احترامه للوقت، والتزامه بالمواعيد.  كذلك، لم أشاهد سيارة مسرعة تنهب الإسفلت، وربما الأرواح، إلا وتصورت ما قد يناقض تلك السرعة من بطء في الفهم وبلادة في التفكير. وعلى مستوى الخدمات، فإنه لا شيء أرخص من الوقت في طوابير الانتظار الطويلة، وفي الإجراءات الأخطبوطية المعقدة، وفي اللوائح الإدارية الجامدة التي تنتظر من ينفض عنها الغبار لتواكب المتغيرات وتراعي المستجدات.      أما على المستوى الاجتماعي، وفي سياق العبارة نفسها (عبارة بريتون)، فقد نرفض فكرةً ما، أو اختراعا جديدا، ونحاربهما زمنا طويلا، وبعد سنوات من الممانعة نتقبل الفكرة المرفوضة، ونقف في طوابير طويلة لاقتناء الاختراع نفسه. وبالإمكان استعراض قائمة طويلة من «الممانعات» التي سادت ثم بادت. أما الفجوة الزمنية الفاصلة بين المادي والثقافي فالحكايات حولها كثيرة. وقد يشير المظهر الممثل للجانب المادي إلى الألفية الثالثة، أما طرق التفكير فتنتمي لأزمنة غابرة. ننسى أن نستثمر في الحاضر لنكسب المستقبل. نبدد الحاضر في تفاصيل التفاصيل. نفرد لتلك التفاصيل مساحة من حياتنا، نتشبث بها دون أن نناقش جدواها، أو نزنها بميزان العقل. ندخل في جدل دائري منفصل عن الواقع حول الصوص والبيضة، وأمور أخرى تجاوزها الآخرون. يقال إن الزمن أشبه بالنهر الذي لا يمكن عبوره مرتين، بخلاف المياه الراكدة.  لذلك فإن عبارة «ما أشبه الليلةَ بالبارحة» لا تتكرر إلا في البيئات التي يعيد فيها التاريخ نفسه. فهل كان الشاعر يشير إلى حالة ركود في زمن دائري حين قال: «كأننا والماء من حولنا/ قومٌ جلوسٌ حولهم ماء»؟وبعد: «ما أشبه الليلةَ بالبارحة»! أما الأدهى من ذلك كله فهو أن يتمنى الناس عودةَ «البارحة». ولسان الحال يقول: «ربَّ يومٍ بكيتُ منه فلمَّا/ صرتُ في غيرهِ بكيتُ عليه»!