أزمة عقارية.. أم أزمة أخلاقية
في ظل ازدياد أسعار الأراضي بشكل غير منطقي؛ نتيجة تسلط أصحابها في فرض أسعارهم الخيالية، حتى بلغت أسعار الأراضي أرقاما ليس بمقدور المواطن توفيرها، ما لم يرهن نفسه لأحد البنوك المشاركة بخنقه بعمولاتها الكبيرة.. في ظل هذه الظروف يظل الحديث عن الأزمة العقارية معادا ومكررا، دون أن يجد له صدى من أحد، ويبقى جهد الدولة في مجال توفير السكن لأي مواطن محل تقدير الجميع، لكنه الجهد الذي لا يفي بالغرض تماما، وإن أسهم في نوع من الانفراج في هذه الأزمة، وهو الانفراج الذي يحتاج إلى الكثير الكثير من التوسع في قروض الإسكان،إنها أزمة أخلاقية، هذه التي تعاني منها سوق الأراضي وليست أزمة عقارية، والنظر إليها من هذه الزاوية، كفيل بأن يجعل العقاريين يعيدون حساباتهم إذا كانوا يخافون الله، ويراعون مصالح المواطنين والوطن، ويكتفون بالربح الذي لا يضر المواطنوتوفير البيئة المناخية المناسبة؛ لقيام سوق عقارية متوازنة، لا سيطرة لأحد عليها، ولا نفوذ من أحد للتحكم في أسعارها، لأن حرية الاقتصاد لا تعني توجيه رأس المال الوطني لإثراء فئة محدودة من أصحاب الأراضي على حساب فئات تشكل القطاع الأكبر من السكان، الذين لا يجدون لهم سكنا يقيهم غدر الزمان ومفاجآته الكثيرة.. بسبب أزمة عقارية مفتعلة، وأقول مفتعلة لأن أراضي بلادنا أكبر من حاجة مواطنينا، ومع ذلك فإن نسبة الذين لا يملكون مساكن أكثر بكثير من الذين يملكون، فالأزمة إذن تنحصر في غلاء أسعار الأراضي، وليس في وجود الأراضي، وهذا يشكل أزمة أخلاقية لدى أصحاب الأراضي أنفسهم، الذين اختاروا احتكار مئات الآلاف من الأمتار داخل وخارج النطاق العمراني في معظم مدننا وقرانا، مما أتاح لهم التحكم في أسعارها كما شاءوا وشاء لهم الجشع والطمع.إذن، هي أزمة أخلاقية في الدرجة الأولى، فهؤلاء لا تهمهم مصلحة المواطنين، ولا تهمهم النتائج السلبية المترتبة على سلوكهم هذا، وقد كانت أجيالنا السابقة تصف سيء الخلق بأنه ذو أخلاق تجارية، والأخلاق التجارية تعني تخطي كل القيم والمثل في سبيل المصلحة الذاتية، بل حتى لو اقتضى الأمر توجيه الضرر للآخرين للفوز بربح مادي، هو من سقط المتاع في ميزان الأخلاق العالية والمبادئ السامية، وغالبا ما تحول المصالح الشخصية بين الإنسان ورؤية نتائج سلوكياته التي لا ترضي الخلق ولا الخالق.إنها أزمة أخلاقية هذه التي تعاني منها سوق الأراضي، وليست أزمة عقارية، والنظر إليها من هذه الزاوية كفيل بأن يجعل العقاريين يعيدون حساباتهم إذا كانوا يخافون الله، ويراعون مصالح المواطنين والوطن، ويكتفون بالربح الذي لا يضر المواطن. إن الأمن الذي نتمتع به لا يتجزأ، فهو يعني الأمن في كل المجالات ومنها السكن، وبغير السكن المناسب يظل المواطن يحمل موجدة على وطنه، وعلى من يسهمون في حرمانه من حقه في السكن المناسب، وهم المحتكرون للأراضي والمبالغون في أسعارها حتى أصبحت أكثر من خيالية، وربما فاقت بمراحل أسعار الأراضي في البلدان ذات المساحات المحدودة، التي تجد نفسها مضطرة للتمدد الرأسي بدل التمدد الأفقي، والمعادلة التي تستعصي على الحل أن جشع أصحاب الأراضي قادهم إلى الاعتداء على بيئة البحر، وتدميرها بدفن مساحات شاسعة من الشواطئ، لتخطيطها وبيعها بأسعار هم من يحددها ويفرضها على الناس، ووجه الصعوبة في هذه المعادلة، أن مساحات شاسعة من البراري مملوكة لهم، وتغنيهم عن دفن الشواطئ، وهذه معضلة لا حل لها إلا بتدخل الدولة لتحديد أسعار الأراضي ضمن فئات محددة، وبأسعار ترضي المواطن، ولا أقول ترضي أصحاب الأراضي؛ لأنهم مهما كانت أسعار الأراضي معقولة، فلا شيء يرضيهم إلا ما يفرضونه بأنفسهم.الدولة ملزمة بالتدخل في هذا الأمر، فهي وحدها التي تحمي المواطنين، وتحقق لهم الأمن والازدهار، دون أن تثري فئة قليلة على حساب فقر فئات كثيرة، تشكل السواد الأعظم من المواطنين.