د.إحسان بوحليقة

الأحساء والنظرية الاقتصادية

ما برحت الأحساء مقصداً للزائرين؛ طلباً للعلم لإثراء العقل، وللرزق لإغناء الجيب، وللسياحة للترويح عن النفس. وتمتلك الأحساء اقتصاداً تقليدياً منوعاً، فقد كانت تُرسل تمورها ومحاصيلها الزراعية للمناطق المجاورة والبعيدة، وكانت أسواقها مقصداً للمتبضعين من سائر البلدان المحيطة، حيث تتوفر البضائع ويتنافس عليها التجار بيعاً وشراءً. ولن أنسى جلسة ما بعد العصر في سوق الهدم (المشالح أو البشوت) في قيصرية الأحساء مع والدي، الذي كنت أسأله صغيراً: أين السوق، فيجيب: هذا السوق. كان المزاد يُعقد عدة مرات؛ كلما أتى أحدٌ ببضاعته ناولها للدلال ليعرضها على التجار في دكاكينهم المصطفة على ناحيتي ممر ضيق، فيتفحصها التاجر بدقة وعلى مهل ثم يعلن النتيجة بأن يعرض على صاحبها سعراً، أو قد لا تعجبه البتة فيعرض عنها تماماً. وبحكم انتشار الصناعات التقليدية منذ قرون، فتجد تدرجاً في الجودة؛ ففي دنيا الهدم والمشالح -مثلاً- تجد تفاوتاً في مستويات الجودة من حيث النسيج والحياكة والتطريز اليدوي.هذه المفاهيم في التنافسية والارتقاء المستمر بالجودة والكفاءة، صنعت في الأحساء اقتصاداً تقليدياً، لم يشق له غبار في منطقته. ولذا، نقول إن الاستثمار في الأحساء منافس عائداً وتكلفةً أما في الزراعة، فقد خط الأحسائيون الخط وألفوا الكتاب؛ فنظام الري الذي كانت المياه توزع عبره على المزارع، اتسم ليس فقط بالدقة بل بتدوير مياه الري أكثر من مرة، ومن هنا أتت مفردات مثل «طايح وطايح الطايح»، التي تعنى ماء صرف المزارع، الذي كان يستخدم في ري المزروعات التي لا تتأثر بمستويات أعلى من ملوحة الماء، كما أن في ذلك حفاظا على البيئة واقتصادا في استخدام الموارد النادرة؛ طلباً لتحقيق التنمية المستدامة. ومحصول الأحساء الأهم تقليدياً كان التمر، بل تمور متنوعة. وهذه كذلك كانت منذ الأزل تفرز وتصنف، فليس كل «الخلاص» سواء، وليس كل «الشيشي» سواء، فتتفاوت الأسعار وفقاً لجودة فردة التمر. وبالنظر للصلات الاجتماعية، فكان من يغش أو يغبن يُعاني كساد بضاعته وهجراً اجتماعياً. أما الكدّ والعمل بما أحلّ الله فكانت القيمة الاقتصادية الأهم، بمعنى أن العيب ليس في أن يعمل الانسان أجيراً بل العيب كل العيب أن يتسكع عاطلاً وباستطاعته أن يعمل. وقد يقول قائل إن هذا الأمر لم يكن ينطبق على الجميع، أقول: بل كان ينطبق؛ فحتى مُلاك النخيل كانوا يدفعون بأبنائهم للعمل دفعاً، فكانت يدهم بيد «الشريك» وصبيانه ومعاونيه. ثم إن سنم الإدارة وما وضعه «تايلور» في إدارته العلمية قبل قرن من الزمن، كان يطبق هنا منذ قرون، فالتحفيز على مزيد من الإنتاج كان يمارس بأن يتفق مالك النخل مع «شريك» بأن يعتني بالنخل مقابل حصة من المحصول، ولهذا تفاصيل، لكن القصد أن «الشريك» كان يتصرف بعقلية ودوافع المالك من حيث الحرص على جودة الإنتاج وغزارة المحصول. هذه المفاهيم في التنافسية والارتقاء المستمر بالجودة والكفاءة، صنعت في الأحساء اقتصاداً تقليدياً لم يشق له غبار في منطقته. ولذا، نقول إن الاستثمار في الأحساء منافس عائداً وتكلفةً؛ فثمة ثقافة متوارثة للاقتصاد في الموارد، ورفع كفاءة الإنتاج بالتحسين المستمر، والتميّز بين الأقل جودة والجيد والأجود.