الابتدائية تحت المجهر
الموظفون في القطاع الحكومي لا ينقسمون إلى درجات وظيفية فقط يتبعها تدرجهم في سلم الرواتب، فهم ينقسمون أيضاً إلى درجات في طبيعة العمل الذي يؤدونه والجهد المبذول منهم، فهناك من يعمل طوال الساعات الثماني التي يقضيها في مقر عمله، وبالكاد يتناول كأساً بارداً من الشاي أو القهوة في حالة يكون فيها تارة قائماً وتارة جالساً فلا يستكين ولا يهدأ ما بين عمل ورقي ومقابلة للعملاء. وهناك موظف آخر قد لا يبدو في مثل هذا المستوى من الضغط أثناء ساعات العمل ولكن طبيعة عمله تفرض عليه أن يعمل في بيته على إنجاز كثير من متطلبات عمله.ولك أن تستعرض في ذهنك كثيرًا من الوظائف في القطاع التعليمي العالي منه والعام وفي القطاع الصحي والعسكري وغيرها، ولكن أكثر ما يستدعي الوقوف عنده هو معلم المرحلة الابتدائية الذي تضع وظيفته بين يديه أهم فئة في المجتمع الأطفال الذين يبدأ بناؤهم في تلك المرحلة الهامة جداً من التعليم والتي يبنى على أساسها باقي المراحل التعليمية الأخرى، وهي أيضاً المرحلة التي تدنى مستوى الاهتمام بها إلى درجة كبيرة نرى نتائجها في جوانب كثيرة لغوية في القراءة والكتابة وسلوكية بتفاصيل كثيرة تمس البناء الفكري والأخلاقي للكبار الذين كانوا صغارا في يوم ما ولم يجدوا الرعاية الكافية،وهنا السؤال ما الذي يمكن أن يقدم للأطفال من تعليم بمستوى متميز إذا كانت ساعات عمل المدرسين في المرحلة الإبتدائية لا تكاد تصل إلى خمس ساعات فقط؟ وإذا أردنا الدقة أكثر قلنا ان هذه الساعات القلائل قد تستثمر في مدارس البنات أفضل مما هي عليه في مدارس البنين، لأن المعلمة لا تخرج من مدرستها إلا لأعذار تبدو مقبولة ولكن المعلم يخرج ليذهب لسوق الغنم أو للحلاق أو لمكتبه العقاري أو ليجمع غلة محلاته المتناثرة، فذاك بوفيه وذاك محل سباكة وذاك معرض سيارات يخرج ويعود حسب ما تيسر له من وقت أو إدارة متساهلة، وحينها يكون العمل الرئيس آخر اهتماماته وإن فعل فهو اهتمام شكلي يرضي إدارته من خلال الورق وما يثبته على الورق!!.وسنة بعد سنة صار الداء في المرحلة الابتدائية يتضخم حتى صار العمل فيها هو أقصى طموح بعض الكسالى، فراتب المعلم في المرحلة الابتدائية لا يختلف عن غيره بل إنه يتساوى أحياناً مع راتب أستاذ الجامعة الذي لا يتوقف عمله طوال اليوم، بل إنه يقضي مع متطلبات عمله في البيت ضعف ما يقضي معها في ساعات العمل الرسمية وعندما أرادت وزارة التربية والتعليم أن تشغل المعلم في تلك المرحلة أخذوا يتحدثون عن دورات في أول العام أو في آخره وبدا واضحاً للجميع عدم جدواها لأنها تشبه إيقاظ أحدهم من النوم لتطلب منه أن يخرج على الفور بمسابقة قفز الحواجز . وكأن ما كان يحدث هو ذر للرماد في عيون من تذمروا من عدم تساوي الجهود ضمن القطاع الحكومي ناهيك عن معلم يعمل في مرحلة ابتدائية في مدرسة خاصة ذات مستوى عال في الأداء ويخرج طلابها ما بين الساعة الثانية والثانية والنصف. ترى ماذا يفعلون وكيف يتعاملون مع المنهج نفسه وعلى ماذا يدربون طلبتهم ويطورون قدراتهم في كل الجوانب؟ وماذا هيأت تلك المدارس لهم لكي يحقق طلبتهم تميزاً ملحوظاً؟. متى سيكون للمرحلة الابتدائية الاهتمام الذي تستحقة لتكون مخرجاتها متناسبة مع متطلبات المراحل الأخرى فيرتفعون أكثر وأكثر بدلاً من هذا التدني المتتابع الذي رافق كثيرا منهم في المراحل العليا؟. متى يُستثمر الإنسان والوقت والمال استثمارًا حقيقيا لصناعة النجاح؟.