د. أمل الطعيمي

محاربة القوانين

يبدو لي أحياناً أننا أكثر شعوب الأرض مقاومة للقوانين التنظيمية، أياً كان نوع ذلك القانون، ومجال الخدمة التي يقدمها. قد لا يكون رأيي مستنداً على حقائق معلوماتية، فلا أستطيع إثباته، ولكن الصوت الرافض يبدو مرتفعا ومتواجداً في كل مكان يساعده على إبراز رأيه، وعلى أهبة الاستعداد للتناحر غير العقلاني بما يغلفه من جهل ووعي ناقص؛ ويأتي نقصانه من تركيزه على جانب واحد في الرؤية. هذا ما يحدث الآن مع قانون الأحوال الشخصية الجديد، والذي يحدد سن البلوغ بثمانية عشر عاماً، وعليه لا يمكن تزويج القاصرات قبل ذلك السن. وهذا هو الجانب الذي يركز عليه بعض من ينقصهم الوعي الاجتماعي، ولا يخفى أن من يعارض مثل هذه القوانين، وينزل عليها سخطه بكل وسيلة ممكنة، وأسوؤها دعوة الآخرين لرفضها؛ فلأنه ينظر إلى مصالح أخرى في جوانب ضيقة جداً، لا تهم إلا فئة محدودة من الناس. حتى وصل الأمر بأحدهم ليقول: إن من يمنع الزواج قبل الثامنة عشرة هم أنفسهم الذين يوزعون حبوب منع الحمل على المدارس!!. إن هذا الرأي يمثل صورة من صور فجيعتنا ببعض العقول في مجتمعنا، وهي التي تملؤها الرغبة في تسييد آرائهم حتى لو اضطرهم ذلك إلى الإساءة للجميع.لا يخفى أن من يعارض مثل هذه القوانين، وينزل عليها سخطه بكل وسيلة ممكنة، وأسوؤها دعوة الآخرين لرفضها؛ فلأنه ينظر إلى مصالح أخرى في جوانب ضيقة جداً لا تهم إلا فئة محدودة من الناسقس على هذا كثيراً من تعاملاتنا مع القوانين التي تظل الحاجة تطلبها، والمجتمع يطالب بها مرة بعد مرة، وحين نفاجأ بالاستجابة العقلانية من أصحاب القرار وتصدر الأنظمة، وهي مهيأة للتطبيق، غير أنها في بداية تطبيقها تأتي مصحوبة بضجيج اجتماعي قوي جداً، ومربك جداً لأطراف متعددة، فيحتاج أولئك إلى فترة طويلة نوعاً ما للثبات والتقبل والاستيعاب. وهنا يبرز دور الجهات المسؤولة عن القرار، إذ عليها أن تهيئ الناس لذلك فتشرح وتفصل وتبدي الأسباب بشكل رسمي وواضح للجميع، ولا يترك الأمر للتداول الشعبي قبل أن تتضح الصورة. إن ما يحدث من فوضى اجتماعية ترافق القرارات الصادرة، يشكل حجراً يتعثر به الطرفان تطبيق القرار والمجتمع الذي هو المستفيد الأول في ذلك.منذ أعوام ونحن نعيش هذه الفوضى التي تصنع صراعاً مزعجاً له آثاره السلبية على جوانب أخرى، قد تكون غير ذات صلة بالقانون نفسه بقدر صلتها بالانقسام المجتمعي ضد نفسه أولاً، وهذا أمر لا يصح أن يستهان به، وثانياً ضد القرار ونتائجه المرجوه. إن وضوح القانون وتحديد ملامحه ووجوده على أرض التطبيق لا تكفي وحدها لإقناع الروؤس المغلقة. ولا يريد الناس أن يظلوا في حالة غليان اجتماعي يربكهم ويخوفهم ويشقهم على أنفسهم في الكيانات الصغيرة التي يتألفون منها، في وقت لم توضع القوانين فيه إلا لتحميهم وتحقق تطلعاتهم.