منشآت يتيمة
«نحن أكثر من أجرى دراسات عن أي شيء وكل شيء!»، هذا ما قاله أحد المسئولين تعليقاً على دراسة تستعرض التحديات أمام أحد القطاعات الخدمية. وبغض النظر عن دقة هذا التشخيص، فالعبرة ليست بالتخطيط بل بجمال وسلاسة وسلامة التنفيذ؛ بسرعته وجودته وإنجازه لما هو كان مخططاً. وتحديداً، فمنذ ما يزيد على عقدين من الزمن والحديث يتواتر عن أهمية رعاية المنشآت الناشئة والصغيرة عبر هيئة متخصصة تقوم بإفساح المجال أمامها وحمايتها من المؤسسات الكبيرة التي لن تفسح مجالاً لأحد إلا مضطرة. ولابد من الاقرار أن هناك عددا من المبادرات التي اطلقت من الحكومة ومن القطاع الخاص، لعل منهناك من سيجادل، لكن أطنانا من الأبحاث حول القدرة التنافسية والاحتكار تبين بما لايدع مجالاً لأي جدل كيف تمارس المؤسسات الأكبر أساليب لتنهك ثم تخنق وتخرج منافسيها من السوقأبرزها برنامج بنك التسليف والإدخار الذي ينص نظامه (المادة الرابعة) على تقديمه للعون لها، بالاضافة لبرنامج «واعد» الذي أطلقته أرامكو السعودية مؤخراً. لكن هل هذا كاف؟ هل قدمنا منظومة وسياجا واقيا وآمنا للمؤسسات الناشئة والصغيرة؟ الاجابة: لا. هناك مبادرات متناثرة هنا وهناك، لكنها لا تمثل منظومة متكاملة لاحتضان المنشآت من قبل البداية إلى أن يشتد عودها وتنطلق لآفاق الاستقلال التجاري وبعد ذلك للربحية والتوسع والنجاح. عند استعراض دراسة المنشآت الصغيرة والمتوسطة الأسبوع الفائت في منتدى الرياض الاقتصادي السادس، ذكرت د. نورة أبالخيل من جامعة الملك سعود، أنها أجرت بحثاً قبل 15 سنة عن المؤسسات الصغيرة توصلت فيه لذات التشخيص والتحديات ومن ثمة التوصيات! وها نحن نعيد طحن التوصيات بسبب عدم تنفيذها، فالحديث عن هيئة عامة للأعمال الصغيرة كان محل أخذ ورد منذ ما يزيد عن العقدين، لكنه أمر لم يتحقق حتى الآن، رغم أن اقتصادنا بحاجة ماسة لهذه الهيئة بالذات، ولعل أحد أسباب معاناة وتعثر المنشآت الناشئة والصغيرة هو عدم توافر راع، وتقصيرنا كاقتصاد –حتى الآن على الأقل- في تمكين شبابنا من العمل لصالح أنفسهم عبر احتضان أفكارهم ومبادراتهم الاستثمارية احتضاناً مؤسسياً. فالحال الآن هو آلية «طرق الأبواب» عسى أن يظفر الشاب بتمويل من هنا وحاضنة من هناك! وكما يقال فلسنا بحاجة لإعادة اختراع العجلة، إذ أن عمر هيئات رعاية الأعمال الصغيرة يمتد لعقود طويلة من الزمن في عديد من البلدان المتقدمة اقتصادياً، وبوسعنا الاستفادة من تجاربهم تلك وتعديلها لتلائم اقتصادنا واحتياجاتنا دون ان يأخذ ذلك سنوات ممتدة، يفتك خلالها التستر بأصحاب المؤسسات الصغيرة من المواطنين، وتلتهم أحلامهم المنشآت الأكبر. هناك من سيجادل، لكن أطنانا من الأبحاث حول القدرة التنافسية والاحتكار تبين بما لايدع مجالاً لأي جدل كيف تمارس المؤسسات الأكبر أساليب لتنهك ثم تخنق وتخرج منافسيها من السوق. لن يتسع المجال لتناول ذلك بأي تفصيل، لكنه يتسع للقول ان رعاية المؤسسات الناشئة والصغيرة بل وحتى متناهية الصغرّ والأسر المنتجة لا يتحقق بمجرد إطلاق برنامج «كفالة» وتخصيص مساق ضمن بنك التسليف والادخار لتمويل المنشآت الناشئة والصغيرة؛ فهذه جهود ضرورية لكنها غير كافية.