مانديلا.. الزعيم الفذ
لا يختلف كثير من الناس على مدى إيجابية رجل بحجم الزعيم الجنوب أفريقي والكاريزما التي يتصف بها، وكذلك المثالية الرائعة ليس لمواطني بلده والقارة الأفريقية فحسب؛ بل وللعالم أجمع، ولا نبالغ إذا قلنا للتاريخ البشري. فالرجال من هذا الصنف قليلون جداً، ولا يجود بهم التاريخ إلا نادراً؛ فمنذ تغييب الموت للبطل الأسطوري المهاتما غاندي، لم يظهر شخص بحجمه في التضحيات وتمثّل الهدف الرئيس لوطنه والتركيز على المستقبل إلا في سبعينات القرن الماضي، عندما بزغ نجم المناضل الشبيه نيلسون مانديلا. ولا أجزم بكونه مقتدياً بنضال غاندي، لكن الدلائل تشير إلى أنه قد تعرف على سيرته، واهتدى بقوة عزيمته، وسلميته في النضال. فالزعيم الهندي كان قد عاش شطراً من حياته في جنوب أفريقيا، وعمل محامياً هناك، وترك إرثاً أخلاقياً ونضالياً لحقوق الطبقات المسحوقة في القارة الأفريقية.بعد أن رضخ الحكام العنصريون لرغبة الغالبية الشعبية، وسلموا السلطة السياسية إلى حزب مانديلا؛ لم ينل الغرور من نفس هذا الزعيم العظيم، بل ازداد تواضعاً. كيف ظهر تواضع العظماء على هذه الأيقونة، التي نصفها الآن بالزعامة؟ أولاً تعمّد ألا ينال حزبه أغلبية كبيرة كي لا يحكم البلاد بمفرده، وربما يؤدي ذلك إلى طغيان جديد للسود على حساب البيضبالطبع الرجل غاب عن الساحة السياسية والاجتماعية– الثقافية منذ أن أعجزه المرض، قبل أن يغيبه الموت أخيراً؛ لكنه لا يغيب عن ساحة التاريخ، ولا عن ثقافة الشعوب المضطهدة. وهذا النوع من الرموز التاريخية هو ما يمكن أن يطلق عليه الزعماء؛ لذا لم أصف نيلسون مانديلا بأنه قائد، بل بأنه زعيم. فهناك فرق بين الزعيم الذي يركز على الأهداف البعيدة، بينما يركز القادة على الأهداف العملية المرتبطة بمصالح من يكونون تحت قيادتهم من جماعات، أو قيادات ثانوية. ومن هذا النوع الأخير يوجد في كل مجتمع، وحقبة تاريخية عدد متفاوت الحظوظ من النجاح منهم؛ ربما يندرج تحت مفهوم القادة كل من عبدالله أوجلان، الذي يراعي مصالح الجماعات الكردية الثائرة أكثر من النظر بعيد المدى لمستقبل المنطقة تاريخياً وتنموياً، وكذلك الحبيب بورقيبة، الذي كان قائد ثورة ناجحاً، لكنه فرّط في بناء الدولة، ورسم السياسات بعيدة المدى، التي تحقق لتونس أهدافاً استراتيجية كبرى. هذا الزعيم العملاق تعرّض للسجن قرابة ثلاثة عقود من الزمان، ولم يتنازل قيد أنملة عن مبادئه التي دخل السجن بسببها؛ وهي حصول أبناء جلدته من السود على حقوقهم في وطنهم، وإزالة النظام العنصري من البلاد، الذي كان يفصل البشر حسب ألوانهم، ويحرم السود من كثير من الحقوق التي يحصل عليها البيض بوصفها امتيازات منذ عصر الاستعمار الأوروبي لبلاده. وهذه المقاومة نجحت في لفت نظر العالم إلى بشاعة ذلك النظام العنصري في بلد مهم من القارة الأفريقية؛ فقاطعته كثير من دول العالم، وبدأ قادته البيض يفكرون في التفاوض مع هذه الزعامة المحلية. وبعد أن رضخ الحكام العنصريون لرغبة الغالبية الشعبية، وسلموا السلطة السياسية إلى حزب مانديلا؛ لم ينل الغرور من نفس هذا الزعيم العظيم، بل ازداد تواضعاً. كيف ظهر تواضع العظماء على هذه الأيقونة، التي نصفها الآن بالزعامة؟ أولاً تعمّد ألا ينال حزبه أغلبية كبيرة كي لا يحكم البلاد بمفرده، وربما يؤدي ذلك إلى طغيان جديد للسود على حساب البيض، الذين يريد هذا الزعيم الذي نصّب نفسه زعيماً للجميع إدماجهم في مجتمع متماسك وتربطه الوطنية بمفردها، وليست الأصول والألوان؛ فكثير منهم مستقر في البلاد منذ قرون، وليس له بلد آخر غير جنوب أفريقيا. وثانياً أصدر قوانين تحمي البيض من الانتقام، وحرص على حضور مناسبات برز فيها أفراد من مواطنيه البيض، مثل فريق الركبي الذي فاز ببطولة دولية, وكان جميع أفراده من البيض. وثالثاً لم يقبل أن يتولى فترة رئاسية ثانية، من أجل ترسيخ فكرة تداول السلطة، وتعويد السود على الحكم حتى في حياة زعيمهم. من يعمل هذا حتى في العالم المتقدم، غير شخصية استثنائية مثل مانديلا؟.بعض السياسيين المحليين في جنوب أفريقيا ممن لا يدركون أبعاد تفكير هذا الزعيم العالمي بدأوا يقولون هذه الأيام إن نيلسون مانديلا لم يعمل شيئاً إيجابياً للسود في بلده، بل وفي منطقته التي يسكن فيها منذ أن ترك رئاسة البلاد. وقد نسي هؤلاء أو لم يدركوا أن هذه ليست من مهمة هذا الرجل العظيم؛ فهو خلق لهم ما لا يحققه لهم أحد آخر من صناعة الهيكل السياسي والإطار الاجتماعي، الذي عليهم هم أن يملؤوه بعملهم، وينافسوا فيه من سبقهم من البيض أو الملونين.. دمت خالداً أيها العظيم!.