د. أمل الطعيمي

الكرم المروع

تصور بعض الموائد العامرة بما لذ وطاب لدرجة الإرعاب، وأعني تلك الموائد التي تتكئ  عليها الخراف وصغار الإبل كاملة، وقد شقت رائحة شوائها الآفاق وتعالت تحتها تلال من الرز. أغلب الظن أن من كانوا يلتقطون صور تلك الموائد كانوا يهدفون إلى إظهار الكرم والاحتفاء بالضيف. أي كرم هذا ؟! وهل هو فعلا كذلك: أميل إلى أنه العكس تماما، فكأن ما نراه في تلك الصور من بقايا الجوع المترسب في الأعماق، وبقايا الخوف من ليال عجاف، كان الناس ينتظرون فيها ناراً يستهدون بها إليها، لعلهم يجدون قدراً يطبخ فيه شيء ما. أين كرم الخلق بكل ما في أجوده من سمات المحبة والعفو والإيثار وغيرها مما يستحق أن يسمى كرما؟ فحاجة الناس اليوم للكرم ليست مرتبطة بدلالاته القديمة، بل بما يتناسب مع واقع الحالليس كرماً ما نراه على تلك الموائد المرعبة بما فاضت به من لحوم الحيوانات والرز، وليس كريماً من يعدها بتلك الطريقة وكأنه يباهي بها الأمم ويفاخر وهو لا يدري أنه يستحق الذم لا المديح، وكأنه لا يعلم على الجانب الآخر من الحياة توجد هياكل انسانية تنتظر بقايا أنفاس تخرج لأنها تشتاق للحظة مرور شيء من الأكل في جوفها!!كلما تكاثرت الأموال في أكف بعضنا ذابت قدرتهم على تلمس الخط الفاصل بين الكرم والتبذير وبين البسط والغل، وتناثرت حولهم معاني الكرم فلم يلتقطوا منها إلا معاني مرتبطة بخياش الرز وجلود الحيوانات، وللكرم معانٍ أخرى قريبة منهم ولكنهم يعجزون عن فهمها وعن استيعابها، فتتلبسهم حال ذلك العربي القابع في جوف الصحراء وينحر النياق على طريقة الجاهلية الأولى جماعة من الجوعى، وهذا ما لا يتناسب مع حال من تعد لهم تلك الموائد اليوم.أضعنا كثيرا من القيم والمبادئ المتأصلة في الإنسان العربي، والتي جاء الدين الإسلامي ليقرها ويؤكدها ويرغب الناس فيها، وها نحن اليوم نجور على ما بقي منها بفهم خاطئ وتطبيق سيئ، فالكرم اليوم لا يرتبط في حقيقته بامتلاء المعدة وقصيدة مدح؛ لأنه مرتبط بمعان انسانية راقية تصلح بها الحياة، كرم يرتبط بقيم تداوي جراح الناس، وتعالج آلامهم، وتوفر حاجاتهم، كرم يرتبط بالعون فيما يحتاج إليه الناس لا بما نريد نحن أن نقدمه لهم. فصار الكرم سبة في حقنا بعد أن كان ميزة. أين كرم الخلق بكل ما في أجوده من سمات المحبة والعفو والإيثار وغيرها مما يستحق أن يسمى كرماً؟ فحاجة الناس اليوم للكرم ليست مرتبطة بدلالاته القديمة بل بما يتناسب مع واقع الحال .