رسوب في مادة القراءة
تعلمنا القراءةَ صغارا، لكن القراءةَ شيء و«فن القراءة» شيء آخر. تعلمنا أن نتلقى ونحفظ. كان لدينا استعداد لحفظ موسوعة بكاملها. وما أسهل التكرار والاجترار! غير أن الحفظ شيء والفهم شيء آخر. لم يقل لنا أحد إن القراءة المهرولة اللاهثة قراءة غير منتجة، أو إن القراءة المبتسرة تؤدي إلى فهم مبتسر وأحكام واستنتاجات مشوّشة، ولا تساعد على النظر إلى الأشياء بشكل شامل متكامل. لم نتعلم، آنذاك، إثارة الأسئلة، أو أن يكون لنا حس نقدي لتقييم ما نقرأ. ويبدو أننا مازلنا تحت تأثير ما تعلمناه. لذلك يبدو الاقتراح القائل بأن «علينا أن ننسى بعض ما تعلمناه» في غاية الوجاهة. لو أصغى المرء أو قرأ بتجرد الآراء ووجهات النظر المغايرة لقناعاته لانتفع بها أكثر من انتفاعه من الآراء المتناغمة مع تلك القناعات. غير أنه وكما يقول نورمان بيل: «هنالك من يفضل أن يقضي عليه المديح على أن ينقذه النقد»! أما أدوات الترقيم فلم تشكل لنا (في تلك المرحلة) أهمية تذكر. كانت من لزوم ما لا يلزم أو شيئا فائضا عن الحاجة. لكن في الذاكرة بقايا حكاية طريفة عن أدوات الترقيم تؤكد تلك الأهمية، وأن المعنى بدونها قد يصبح ملتبسا؛ حكاية قرأتها في أحد كتب قواعد اللغة الإنجليزية، وخلاصتها أن تلميذا يدعى جون يضيق ذرعا بدرس اللغة، ويتبرم من المادة ومدرسها، قال لزميل قريب منه حين رأى مدرس اللغة يدخل قاعة الدرس: «أراهن أن هذا (الأبله) سوف يصدّع رؤوسنا مرة أخرى بأدوات الترقيم وأهميتها». سمع المدرس ما قاله جون فكتب على السبورة أن جون يقول عن المدرس إنه (أبله) ثم قام المدرس بنقل أدوات الترقيم من مكانها الأول في الجملة إلى مكان آخر، فتغير المعنى، وصارت صفة (البلاهة) تعود على التلميذ جون بدلا من المدرس. ضحك التلاميذ ساخرين من زميلهم، وكان ذلك مثالا طريفا ومفيدا للتلميذ وزملائه. كبرنا وأضفنا إلى تلك السلبيات سلوكا سلبيا آخر هو الإضراب عن المعرفة تمسكا بالجاهز والمتوارث والشائع والمتداول، فكل ما هو خارج ذلك الإطار صادم لذوقنا وقناعاتنا. وتحت مسمى (الانتقاء) أصبحنا لا نقرأ ولا نشاهد ولا نصغي إلا ما وافق هوانا. وكل ما يأتي من الآخر المختلف مرفوض. منحنا الأولوية في اختياراتنا للأسماء والأشخاص وليس للأفكار. لا بأس في أن يكون المرء انتقائيا ولكن على طريقة بورخيس الذي يقول: «إذا أحسست بالضجر وأنت تقرأ كتابا ما فلا تتردد في أن تضعه جانبا لأنه لم يكن قد كتب من أجلك». ومعنى هذا أنك لم تحكم على الكتاب حكما مسبقا من عنوانه أو من اسم مؤلفه كما يفعل بعضهم إزاء الكتب والقنوات والأشخاص. نردد عبارة «خذوا الحكمة..» ولا نعمل بها! فهل هنالك من هو أشد عمى من شخص لا يريد أن يرى؟ هذا هو شأننا مع قراءة النص، فهل تختلف قراءتنا للواقع عن هذه القراءة اللاهثة الانتقائية؟ ذلك احتمال ضعيف جدا. وإذا كانت الحياة كتابا مفتوحا، كما يقال، فلا عجب أن تكون أشبه بالطلاسم أو الأحاجي لمن يعاني ضعفا في القراءة. وليس غريبا أن تنتج تلك القراءة تفكيرا ضحلا ورؤية مشوشة، وسلوكا غوغائيا يحول الحياة إلى سلسلة من المآزق والأزمات على كل المستويات. وبعد: لو أصغى المرء أو قرأ بتجرد الآراء ووجهات النظر المغايرة لقناعاته لانتفع بها أكثر من انتفاعه من الآراء المتناغمة مع تلك القناعات. غير أنه وكما يقول نورمان بيل: «هنالك من يفضل أن يقضي عليه المديح على أن ينقذه النقد»!