منتدى الرياض وحديث عن الفساد
التفت إلي أحد منظمي منتدى الرياض الاقتصادي بالأمس، الذي كان يعرب عن ضخامة الحشود التي حضرت حفل الافتتاح رغم ضخامة القاعة المخصصة لاحتضان المنتدى، قائلاً: لم تستغرب وقد وجهتم الدعوة لكل الشعب السعودي تقريباً عبر البريد الالكتروني والجوال وسواهما من وسائل الاتصال؟ سنحت لي الفرصة أن أعرف هذا المنتدى عن قرب في دورتيه الأولى والثانية أثناء عضويتي لمجلس أمنائه، وليس من شك أن المنتدى يرتكز إلى منهجية محكمة تنتقي القضايا المسيسة بالمجتمع عموماً، سواء مجتمع الأعمال أو من يرتبط به من بقية أفراد المجتمع عموماً، حيث تقوم المنهجية على المشاركة في «قرار» اختيار القضايا الجديرة بالدراسة، ثم تدرس من قبل بيوت خبرة متخصصة، ثم تناقش في لجان مشرفة مخصصة لكل قضية، ثم تناقش في مجلس الأمناء، وبعدها تعرض في منتدى الرياض الاقتصادي. يعقد المنتدى حالياً في الرياض دورته السادسة، وقد ناقش عشية يوم الاثنين قضية القضايا، وهي الفساد. ورغم أهمية القضية لكن العرض -ولا أقول الدراسة حيث اني لم أطلع على كامل محتواها- كان إطارياً،ان توفير أعلى درجات الافصاح والشفافية يفسد على المفسدين مساعيهم، فتصبح احتمالات تحقق مساعيهم أقل والتكلفة عليهم أعلى وتدبير مساعيهم أكثر تعقيداً، ولهذا السبب تحديداً أصبح مؤشر الشفافية والافصاح هو مقلوب مؤشر الفساديلامس الأمر ملامسة، حتى أني شعرت بأن العرض يعيد على مسامعنا البديهيات والعموميات التي نعرفها جميعاً، كنت أتمنى لو أن العرض أخذ «خزعة» من أعماق أعماق عالم الفساد، وعرضها علينا، فالقضية لم تعد تثقيفية بل هي تحدٍ تنموي هائل، بل ليس من المبالغة القول إن تقدم التنمية يقف وجهاً لوجه أمام اجتثاث الفساد المالي والإداري من بلادنا، بصرامة وحزم. وبالاضافة للفساد تناول المنتدى قضايا جاثمة بثقل على اقتصادنا السعودي، وهي تعرض ليس باعتبارها اكتشافاً، فقد ملتّ الألسن من تكرار الحديث عنها، بل لكي نقتلعها، فبقاؤها يبطئ مسيرة عجلة النمو ويقيد التنمية، وهذه القضايا: قضية قطاع المقاولات وخصوصا في قطاع التشييد والبناء، وقضية العمل وتوطين الوظائف، وقضية المياه والمنشآت الصغيرة والمتوسطة. أعود لقضية الفساد لأقول: إن البنية التحتية والشرط اللازم للبدء في اقتلاع الفساد وتدمير مكامنه يتجسد في الشفافية والافصاح، فبدون الافصاح والشفافية تتوافر عتمة تتشكل حولها بيئة حاضنة للفساد، بمعنى أن توفير أعلى درجات الافصاح والشفافية يفسد على المفسدين مساعيهم فتصبح احتمالات تحقق مساعيهم أقل والتكلفة عليهم أعلى وتدبير مساعيهم أكثر تعقيداً، ولهذا السبب تحديداً أصبح مؤشر الشفافية والافصاح هو مقلوب مؤشر الفساد، أي أنه كلما زادت الشفافية انحسر الفساد والعكس بالعكس. وهكذا، ولمكافحة القضية التي وضعت لها الحكومة الموقرة استراتيجية لمكافحتها وأنشأت هيئة لمحاربتها، لا بد لها من نصفها المكمل، وهو اصدار قانون للشفافية والافصاح وخصوصاً فيما يتعلق بكل نشاط يقع تمويله والانفاق عليه من الخزانة العامة للدولة -رعاها الله-، وبذلك نجد أن جردة حساب لما نفذ من مشاريع الميزانية وما لم ينفذ، بل وأكثر من ذلك بكثير، أما حالياً فالمتاح قليل أقل مما كان متاحاً في سنوات مضت.