نريد ألف مؤسسة فِكرّ
العرب وحرية الفكر مادة دسمة لمطارحات لن تنتهي، وللفكر بيوت، وتلك البيوت ليست مجردة من الميول والتوجهات، وبيوت الفكر منتشرة في بلدان العالم المتقدم القليل منها مؤثر والبقية منسية تسعى وتحاول. مؤخراً، عُقد مؤتمر الفكر العربي في مدينة دبي المتألقة، واللافت أن مؤسسة الفكر العربي المنظمة للمؤتمر تنتقي بعناية مُدناً ومواضيع، وبلادنا العربية أحوج ما تكون لبيوتٍ مستقلةٍ للفكر؛ تجمع بتجرد شتات ما تفرق، وترعى حرية الفكر الذي يبدو في أحيانٍ كثيرة أنها مشردةٌ مهملةُ بيننا، وتضعنا جميعاً في السياق الحضاري للعالم اعتداداً بأمة عظيمة ننتمي لها لا يليق أن تعود لجاهليتها بعد أن أخرجها الإسلام السمح منها. وبالقطع، فكل دولة واقليم يدعي أن نصيبه الصدر والمقدمة، أما الحقيقة فصدر العالم يأخذه أخذاً مَن يبزّ البقية أداءً وإنتاجياً وإبداعاً وابتكاراً، ومَن يضيف للبشرية إضافات متواصلة. فالمقدمة ليست مقعداً دائماً مضموناً لأحدٍ من الأمم. في حقب تاريخية ماضية كانت منطقتنا هذه صدر العالم ومنطلق التحضر والابداع والابتكار ومنارة للعلم ومقصداً لطالبيه. أما الآن فهي ليست كذلك البتة، وحديثي عن الواقع والمستقبل، أما واقع الأمة العربية حالياً فمشتت مبعثر؛ الاقتتال يمسك بتلابيبها وتحرق آلته شباباً وشيباناً وأطفالاً وتضيّع مقدرات وتستبيح الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. في هذا الوقت المتأزم، الذي أخذ البعض يستهجن حتى مجرد ذكر تعبير الأمة العربية، في هذا الوقت تبرز أهمية بيوت الفكر، ومنها مؤسسة الفكر العربي. فالنهوض للتحديات الكبيرة لا يكون عبر فوهة البندقية، بل عبر الإدراك والفهم. ومن هنا، فنحن بحاجة لألف بيتٍ للفكر لتفرز لنا أفكاراً وخيارات علنا نخرج لغدٍ أكثر انصافاً لأمتنا، ولن ينصفنا أحد حتى نمتلك الأسباب لفرض الذات، ولن نتمكن من فرض الذات إلا عندما نتقدم الأمم المنافسةً إنتاجاً وعلماً وابتكاراً وإبداعاً. كل هذا -كما نعلم جميعاً- لن يحدث عفو الخاطر، وبالقطع لن يحدث عبر استحضار عقلية «داحس والغبراء» واستراتيجية «حيلهم بينهم»، فتلك ترتكز على فلسفة الهدم، في حين تتعطش منطقتنا العربية لاستراتيجية البناء. ومن العبث البناء وهناك من يصرّ على الهدم، ومن العبث الابتكار والابداع دون بيئة حاضنة وراعية، ومن العبث كذلك السعي للمنافسة، وهناك من لا يحرص على الانتاج المتقن. نحن بحاجة لألف بيت فكر: لتحويل ممارساتنا اليومية من إرهاق الوقت وهدر الموارد إلى استغلال الزمن وتوظيف مواردنا، ولتذكيرنا ببدهياتنا التي استظهرناها صغاراً وأهملناها كباراً: بحضارتنا وموقعنا وجغرافيتنا وثرواتنا، ولعلنا بحاجة لنتذكر أن أبرز أعراض فشل التنمية الاجتماعية-الاقتصادية أننا لم نتمكن من توظيف الشباب العربي، ليصبح رأسمال بشري منافساً عالمياً، فارتحل في كل الوجهات مهاجراً بأحلامه طالباً لقمة العيش وفرصةً لتحقيق ذاته. واستدراكاً، فبيوت الفكر لا تستطيع بمفردها إحداث تغيير. فالتنفيذ ولملمة الشتات مرهونان بإرادات سياسية لتحقيق «ما لـم يسْتَطِعْهُ الأوائل».