القمة الخليجية وتحديات المرحلة
تعقد هذا الأسبوع في دولة الكويت، القمة الخليجية الرابعة والثلاثون، وسط أجواء سياسية واقتصادية مشبعة وغاية في التشابك والتعقيد، بينما أعرب الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية الدكتور عبداللطيف بن راشد الزياني، عن ثقته في أن قمة أصحاب الجلالة والسمو قادة دول المجلس سوف تخرج بنتائج مهمة، تعزز مسيرة العمل الخليجي المشترك في مختلف مجالاته، وتضيف مكاسب جديدة لصالح مواطني دول المجلس.ووسط تشعب القضايا الاقتصادية التي تواجهها القمة، نحن نعتقد أن هذه القضايا يمكن تصنيفها تحت عنوانين عريضين، الأول: القضايا الاقتصادية النابعة من نهج التنمية الاقتصادية الذي اتبع طوال العقود الماضية، وما نجم عنه من تحديات. أما القسم الثاني: فهو القضايا المتعلقة بمسيرة التكامل الاقتصادي الخليجي. وفي نطاق القسم الأول من القضايا الاقتصادية، نحن نؤمن بالفعل أن اهم هذه القضايا وأخطرها هو موضوع البطالة في صفوف المواطنين. وتقدر الاحصائيات أن معدلات البطالة وصلت الى مستويات حرجة وأن هناك حاجة لخلق فرص عمل لنحو مليون شخص في دول الخليج خلال السنوات العشر القادمة، إلا أن أنماط التنمية الراهنة ستكون عاجزة عن توليد وظائف جديدة لهذا العدد من العاملين، كما أن معظمه قائم بالفعل على اساس التكلفة العمالية المنخفضة، أي الأيدي العاملة الأجنبية، وبالتالي، فإن التحدي الأساسي هو كيفية تطوير أنماط الأنشطة الاقتصادية لتكون قادرة على خلق وظائف تتناسب من حيث الأجر والكيفية، مع احتياجات توظيف العمالة الوطنية، وتحقيق -بذات الوقت- تنويع في مصادر الدخل الوطنية. إن معظم الوظائف التي ستتوفر خلال هذا العقد والعقد القادم ستكون في القطاع الخاص، وليس القطاع العام. كما أن معظم تلك الوظائف سيكون في حقل المهن الفنية وليس الأعمال المكتبية. لذلك، لا بد أن يجري التركيز على تطوير دور القطاعات الإنتاجية والصناعية والأعمال المرتبطة بالمهارات الفنية والتكنولوجية. كما تبرز أهمية تطوير التنسيق بين أسواق العمل في بلدان المجلس ووضع سياسة سكانية واضحة المعالم تهدف إلى إيجاد نوع من معدلات النمو الاقتصادي والسكاني.ولعل من أبرز التحديات التي تعايشها المسيرة التنموية الوطنية بدرجة أو بأخرى ولم تتخلص منها رغم مرور أكثر من أربعة عقود تنموية بهذه الدول، استمرار هيمنة الموارد الأحادية على مصادر توليد الدخل، والذي يؤدى إلى تضييق خيارات التنمية وفرص الكسب، واستمرار محدودية الطاقة الاستيعابية للأسواق المحلية بسبب الاعتماد المفرط على الاستيراد وعدم قدرة القطاع الصناعي على تلبية الطلب المحلي الاستهلاكي والاستثماري، والصعوبات التي يواجهها في التعامل مع التقنيات الحديثة وبناء قدرة تقنية ذاتية، واستمرار اختلال هيكل الإنفاق لصالح قوى الاستهلاك على حساب قوى الادخار والاستثمار الإنتاجي. وإذا ما انتقلنا الى القضايا الاقتصادية ذات الصلة بمسيرة التكامل الاقتصادي الخليجي، نحن نود هنا استعادة الملاحظات التي أبداها الدكتور عبدالله القويز الأمين العام المساعد السابق للشئون الاقتصادية لدول المجلس السابق، في ندوة في البحرين، حيث وجه الدكتور القويز النقد الى تباطؤ العمل الاقتصادي الخليجي المشترك.ويقول القويز: إنه خلال الـ 14 سنة التي قضاها في الأمانة العامة للمجلس، لاحظ أن معدل الفترة التي يأخذها إصدار قرار منذ بدء طرحه في لجان المجلس ولغاية صدوره على هيئة قانون وطني، نحو 8 سنوات بالنسبة للقرارات العادية، ونحو 18 سنة للقرارات الهامة مثل الربط الكهربائي الذي بدأ بمناقشته عام 1982 واتخذ قرار بشأنه عام 2000، في حين بدأ العمل به عام 2007، وهذا يعني استغراقه 25 عاما. وعزا جانبا من أسباب بطء مسيرة التعاون الاقتصادي الخليجي إلى أن أغلبية القرارات الاقتصادية الاقليمية لا تزال تتخذ على المستوى الوطني لكل على حده، في حين أن 60% من قرارات التعاون الأوروبي تتخذ على المستوى الإقليمي.ويضيف إن من الأسباب الهامة، هو أن دول المجلس تنهج إسلوب السعي لوضع حلول نظرية لكافة المشاكل التي قد تواجهها عند تطبيق قرارات التعاون، على الرغم من أن التجربة أظهرت أن أغلبية المشاكل التي تنجم عند التطبيق لا تستحق العناء الذي بذل من أجلها، أو تم تأخير تنفيذ القرارات لأجلها، ومنها على سبيل المثال، الوقت الذي استغرق في مناقشة التعويضات عند تنفيذ التعرفة الجمركية الموحدة، حيث تم اكتشاف بعد تنفيذ القرار، أن حجم التعويضات ليست بذلك الأهمية، كما أن الدول المستفيدة من التعويضات قد لا تكون نفسها التي تم تحديدها عند مناقشة القرار. ومن أجل تجاوز هذا النمط من التعاون، ولأجل مواجهة تحديات المستقبل بصورة أكثر فاعلية وكفاءة، دعا الدكتور القويز دول التعاون الى إتباع اسلوب «الهروب الى الأمام» أي المباشرة بتنفيذ قرارات التعاون الهامة، والتعامل مباشرة مع أي مشكلة قد تنشأ آنذاك. وأعطى القويز عدة أمثلة على ذلك، منها: الوحدة النقدية الخليجية، حيث دعا الى المباشرة بتطبيق الوحدة النقدية واعتماد الدولار كمثبت مشترك في الوقت الراهن، ومن ثم تقييم الوضع عند التقييم بهدف دراسة الإبقاء عليه او تغييره، وغيرها من المعايير المتعلقة بالوحدة النقدية. كذلك الحال بالنسبة الى مجالات التعاون الاقتصادي الأخرى، وخاصة تفعيل السوق الخليجية المشتركة التي أطلقت عام 2008، حيث لا تزال الجهود المبذولة بشأنها بحاجة إلى فاعلية وتأثير أكبر وبحاجة إلى تحرير الكثير من عناصر الإنتاج والاستثمار والعمل والتنقل وتوحيد أسواق العمل وغيرها من خطوات تفعيل السوق. كذلك الحال بالنسبة لأسواق المال والبورصات الخليجية، حيث لا تزال جهود توحيدها أمام الاستثمار الخليجي في الطريق ولم تستكمل. فهل نتطلع إلى القمة الخليجية للخروج ببعض ما يشفي الغليل في التعامل مع هذه التحديات والقضايا، وبما يحقق ما ذكره الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي في تحقيق المزيد من المكاسب للمواطنين؟