د. أمل عبدالله الطعيمي

رواج هزيل

لو جمعنا كل أشكال السخرية التي أظهرنا براعة هائلة في استخدامها بكل الأشكال المنفردة والجماعية المقالية والخطابية والتمثيلية والتي كرسناها للنقد في كل صغيرة وكبيرة في الخاص وفي العام، لو جمعنا كل ما ضحكنا عليه وحاولنا أن نستفيد منه، ربما أفلحنا في معالجة بعض ما انتقدنا ويتعلق أمر تغييره بنا كأفراد. لكن الخطأ يتضاعف ويأخذ أشكالاً أخرى ويتفرع لأن سخريته صنعت منه مجالاً للاستعراض الذي يساعد على نموه لا معالجته أو الإنقاص منه.عندما كنت أشاهد بعض المسرحيات الخليجية أو أجزاء من المسلسلات كنت أقول إن ذلك الخطاب المتدني جداً في مستواه الأدبي سينعكس سلباً على المجتمعات، وسيصبح هذا الخطاب الهزيل أسلوبا عاما يتداوله الناس ببساطة وكأنه الصواب وما سواه هو الخطأ، لأنه يقدم بتلك الصورة التي تجعل من يتعامل به شخصاً قوياً وعلى جانب كبير من الصواب، فيعجب به الناس وكأن الحق لا يؤخذ إلا بالقبيح من القول والهمز واللمز والتقليل من شأن الآخرين لكن يبدو أن توقعاتي كانت متأخرة لأن واقع الحال يقول إن هذا الأسلوب صار عاماً فيحتفى به وينتشر في أجهزتنا الصغيرة بعبارات تسويقية تعظم من شأنه وتجعل منه مادة جيدة لتسويق الحق في أبشع صوره!! وكأن أساليب الحوار التي روج لها بعض الإعلاميين لا تكفي، وكأن ألفاظ القاموس التي مررتها المسرحيات العقيمة لا تكفي، وكأن الحق وقوته لا بد أن يتلازما مع الوقاحة!! لست انتقد هنا أن يرتفع صوت الحق وأن تبرى كلماته فتكون حادة موجعة ولكن ضد أن تقدم بميل الى الانتقاص من الآخر بدرجة أكبر من الاهتمام بإظهار الحقيقة.وهذا جزء من ارتباكنا الذي نراه عندما نتحدث بشكل عام فيقال: لا تعمم وعندما تتحدث بشكل خاص يقال: لا تشخصن!! ولهذا مال الناس فإما أن تخاف من التفسير الخطأ وإما أن تتظاهر بقوة مغشوشة بكم هائل من السخرية حتى يكون للموضوع وجه آخر تغطيه الضحكات المرتفعة والتشجيعات التي لا تقل في وقاحتها عن القول نفسه. وكأن الناس جميعاً في سباق محموم للتقليل من شأن الآخرين فقط بغض النظر عن الموضوع وأهميته.تلك ظاهرة غير صحية، كثيرون هم الذين يحاولون الاستفادة منها بطريقتهم الخاصة، وهذا ليس على مستوى الأفراد فقط بل على مستوى المؤسسات التي يفترض بها أن تصحح لا أن تسهم بزيادة الطين بلة، ومن ذلك المؤسسات الإعلامية على مستوى العالم العربي التي تروج لهذا النوع من التبجح بطرق شتى، حتى البرامج الرسمية صارت تعتمد هذا الاسلوب وتؤكده. فأين المخرج من هذا كله؟، وكيف لنا أن نحسن اعتماد قوة الحجة لا قوة النكتة ودرجة إساءتها للآخرين أو الألفاظ التي تركز على الانتقاص من الشخص وليس الفكرة. ان الأمر ينتشر بسرعة كالنار في الهشيم وسيتحول إلى أسلوب متعارف عليه وثابت يتعاطاه الصغير قبل الكبير ويطبقه على المقربين منه كتمهيد للانطلاق به نحو الخارج.