إرهاصات الوعي بين العقل الفردي والجمعي (2 – 2)
تحدثنا في الجزء الأول عن مجموعة العناصر الأساسية التي تشكل رؤية العالم، والوعي بالقضايا الوجودية المرتبطة به وبفهمه لأنظمة الكون. كما أشرنا إلى تطوير المجتمع لها من خلال تفاعل عوامل؛ الأول منها يتعلق بالبنية المعنوية، وهي البنية التي تضم التراث الحضاري والثقافي للمجتمع، وكذلك الحالة الذهنية للمجتمع، أو ما يمكن أن يسمى بالعقل الجمعي. يضاف إلى ذلك عامل آخر يتمثل في الخبرة التاريخية أو التراث التاريخي للمجتمع، وكذلك طبيعة نوع الحياة التي يمارسها المجتمع، إلى جانب العوامل المادية التي تقوم بوظائف جوهرية في تشكيل رؤية المجتمع، وكذلك الإنسان للعالم. يضاف إلى ذلك السياق الجغرافي والمادي للمجتمع، ويتصل به نمط الإنتاج الاقتصادي بطبيعة الحال، بحيث يؤدي تفاعل تلك العوامل وامتزاجها جميعاً إلى تشكيل رؤية الإنسان والمجتمع للعالم، وقاعدة قراراته وخياراته.اكتشاف قيمة هذه الفضاءات في خلق الملاذ للإنسان بفهم ما عجز عن فهمه؛ بدأ بطريقة متدرجة في تاريخ العالم. غير أن وتيرة تلك الاكتشافات قد ازدادت سرعتها في العصر الحديث، وكما يقال: إنه ليس ثمة عصر مثل عصرنا الحالي، استطاع أن يكشف للإنسان في فترة وجيزة عن الطابع النسبي لأفكاره ونظرياته ومنظوماته القيميةونتيجة لتراكم الأحداث تنشأ حاجة الإنسان الملحة لإدراك العالم من حوله، ورغبته في استكناه أسواره، وتوقه إلى تمثل الواقع الذي يحيط به؛ هي حاجة إلى الفهم، لكن أيضاً إلى التغيير وإعادة بناء العالم، فكانت رؤاه المختلفة للعالم تجسد نزوعه غير المحدود إلى فهمه، وسعيه غير المتناهي إلى تغييره والفعل فيه، بحثاً له عن موقع في خضم الوجود، وتمرداً على ما هو موجود. فنشأت رغبة الذات في إيجاد المعنى، وعزمها على إنشاء القيمة، وكانت الولادة في المقدس والجمال والعلم والتقني... إلخ. جميعها رؤى تحمل الدلالة، وتضفي على الوجود الإنساني معنى؛ لكنها رؤى، على الرغم من اشتراكها في الوظيفة الواحدة، ألا وهي الحصول على تمثل موحد ومنسجم للعالم، فهي متباينة متداخلة. وقد كان نزوعه للحصول على تمثل منسجم ومنظم لهذا العالم، وهو ما نعنيه برؤية للعالم، بمعنى إيجاد تصور ومحاولة لفهم العالم وتفسيره، حتى يصبح معقولاً، ويقدر العقل على استيعابه؛ فرؤية العالم وتمثله هي عقلنة له. لذا كان كل نظام يروم تفسير العالم هو نتاج المخيلة البشرية التي تعتمد تفسير المرئي باللا مرئي، وما تشاهده بما لا تشاهده، كأننا لا نفهم العالم إلا حين نقف عند القوى اللا مرئية التي تفترض أنها تحكم العالم. فتستجيب الأسطورة، ويستجيب الدين لهذا المطلب البشري، وهو ينشد تفسيراً ممكناً للعالم. وهناك من يسائل المعطيات التكوينية للإنسان، ليؤكد أن الإنسان شقي بأفكاره المسبقة، لكن الاتفاق حاصل في اعتبار تلك التخوفات ملازمة للوجود الإنساني؛ من خلالها يشعر المرء بانسجام مع عالمه، بسكينة في خضم الوجود، وطمأنينة روحية داخل الفضاء غير المحدود وغير المتناهي، لكن ليس هناك طريق واحد لتمثل العالم، فالفن بدوره يمثل رؤية أعمق للعالم. فما خصوصيات رؤية العالم فنياً؟ وكيف تمثل الإنسان العالم من خلال إبداعه الفني؟ الفن ينقلنا إلى عالم الوعي والحرية، إلى عالم يسجل فيه الإنسان انتصاره عن طريق الإبداع الفني. فالإنسان هو تلك الذاتية، التي لا تتحقق إلا بوصفها حضوراً في العالم، حضورا يتمظهر من خلال فعله في العالم. هذا الفعل المجسد لحريته من خلاله تتجسم كل طاقاته الإبداعية الخلاقة، التي من خلالها يشعر بقيمة ما ينجز. فقيمة العلم حيث ينجز، فالعالم لا معنى له إلا بما ينجزه، وما يضيف الإنسان إليه؛ فالإنسان مدين بوجوده في العالم لإبداعاته، وليس العمل الفني إلا إبداع إنساني يمثل أداة الإنسان لفهم العالم ورؤية الواقع. إذ يشعر الإنسان حينها «بقوته وعظمته وشرفه»، فهذا الشعور هو الذي يضفي المعنى على وجوده، ويكسب أفعاله قيمة. لكن اكتشاف قيمة هذه الفضاءات في خلق الملاذ للإنسان بفهم ما عجز عن فهمه؛ بدأ بطريقة متدرجة في تاريخ العالم. غير أن وتيرة تلك الاكتشافات قد ازدادت سرعتها في العصر الحديث، وكما يقال إنه ليس ثمة عصر مثل عصرنا الحالي، استطاع أن يكشف للإنسان في فترة وجيزة عن الطابع النسبي لأفكاره ونظرياته ومنظوماته القيمية؛ وبالتالي عن مدى رحابة العالم الجديد واستحالة تدبيره بالفكر الواحد. والحق إن عصر الأفكار المطلقة أضحى في زمن مجتمع المعرفة، وتكنولوجياته يتلاشى ويميل إلى الأفول.