حسن السبع

شُطَّار برخصة واستمارة !

بعد أن هبَّت رياح ما سمّي بالربيع العربي، اتسعت رقعة الفوضى، فصارت خيارات السائح محدود الدخل محدودة. راح يستعرض الخارطة لعله يعثر على بلد قريب لا توجد فيه نسائم ربيع غير الربيع الذي تغزل بحسنه الشاعر البحتري في «ميميته» المعروفة. وما يجعل الاختيار صعبا هو أن السياحة ليست طبيعة خلابة أو فنادق ومجمعات تجارية. لو كان الأمر كذلك لانتعشت السياحة في مناطق تتوفر فيها هذه المعطيات، ولما تدفق السياح على مدن تتجاوز درجات الحرارة والرطوبة فيها الحد المقبول، وتظل، مع ذلك، مناطق جاذبة.  تحتاج صناعة السياحة إلى خدمات سياحية متكاملة وبلا منغصات، وإلى فضاء اجتماعي رحب يتسع للجميع ويستوعب كل الأذواق.يبدو أن الشكوى قديمة، وفي كتابه «إسطنبول: الذكريات والمدينة» يقتبس الكاتب التركي أورهان باموق الحائز على جائزة نوبل للآداب  فقرة من مقال نشر عام  1983 على هامش تركيب عدادات في سيارات الأجرةعنصر آخر يضاف إلى تلك العناصر هو شعور السائح بالأمان. أذكر أنني كنت أستقل سيارة أجرة في بلد شرق آسيوي، وفجأة استوقفتنا الشرطة السياحية لتسألنا إن كان كل شيء على ما يرام؟ سؤال يمنح السائح شيئا من الطمأنينة، فهنالك من يرعاه ويحرص على أن تكون إقامته مريحة وآمنة.بعد أن هبّت زوابع الربيع العربي ازداد إقبال السياح على تركيا، وخصوصا بعد أن تحول «ربيعها» إلى سحابة صيف سرعان ما انقشعت. كانت الاختيار الأمثل لقربها أولا، ولأنها تمتلك كل مقومات السياحة، ولأن أفق البلد الاجتماعي والثقافي الواسع يقبل القسمة على كل البشر، ويتسع لكل أشكال التنوع والاختلاف.  لكن «الحلو ما يكملش»! فبعض سائقي التاكسي هناك، هم كوابيس السائح. أو هم «الكَلَف في وجه القمر». أقول «بعض» لأني لست ميَّالا للتعميم. لن أسرد كل ما سمعته أو حدث لي شخصيا، بل سأقتبس فقرة مما كتبه الأستاذ فرحان العقيل في مقال له بجريدة اليوم نشر يوم الأربعاء الماضي، وهو المقال الذي أغراني بالكتابة في هذا الشأن. يقول عن بعض سائقي إسطنبول: «تحايلوا علينا في كل حالة تستدعي ركوبنا معهم، فما أن تعطي أحدهم خمسين ليرة سداداً لقيمة العداد الملعوب في حسابه أصلاً حتى يخرج لك بخفة يد «خمس» ليرات، مستنكراً أنك لم تعطه سوى هذه الفئة، مستغلاً بساطتك وحرج الموقف وزحمة الطرق، وتتكرر الحالة مع كل سيارة أجرة حتى غدت محل تذمر واسع من عموم السياح».يبدو أن الشكوى قديمة، وفي كتابه «إسطنبول: الذكريات والمدينة» يقتبس الكاتب التركي أورهان باموق الحائز على جائزة نوبل للآداب  فقرة من مقال نشر عام  1983 على هامش تركيب عدادات في سيارات الأجرة جاء فيه: «أملنا ألا ترى مدننا بعد الآن المساومات والمشاجرات وزيارات قسم البوليس التي كانت وباء أصاب مدننا في العشرين عاما الماضية»! ويختتم الكاتب مقاله بهذه العبارة الساخرة: «حين تم تركيب آخر العدادات اعتاد سائقو المدينة أن يقولوا للراكب : «ادفع كل ما تستطيع»! إذا كان السائح عاشقا للأدب فسيصل إلى اسطنبول وفي الذاكرة ناظم حكمت وعزيز نسين وأورهان باموق وإليف شافاق، وإذا لم يكن كذلك فقد يتذكر بعض شخصيات المسلسلات التركية: مهند ونور ولميس، وربما تذكر نصر الدين جحا الذي عاش في (قونية). لكنه قد يغادرها وفي ذاكرته ما رواه بديع الزمان الهمذاني عن الشطار ونجوم الفهلوة. الحيل كثيرة، ولو اطلع عليها بطل المقامات أبو الفتح الإسكندري لاعتبر نفسه تلميذا لبعض سائقي سيارات الأجرة في اسطنبول.