د. حسن العالي

توظيف التكنولوجية.. أين القصور؟

في الوقت الذي يشهد العالم تطورات تكنولوجية هائلة تقاد من قبل الدول الصناعية المتقدمة، نرى أن الدول النامية قد اكتفت بلعب دور المتفرج تقريبا على أحدث ما تبدعه الأنامل والعقول الغريبة من تكنولوجيا، وكان دورها وما زال ضعيفا في التعامل مع التكنولوجيا، حيث ظلت دائما الطرف الضعيف في عملية السباق التكنولوجي، ويقصد (بالضعيف) هنا.. ذلك الطرف الذي يستهلك التكنولوجيا ولا يبتكرها، ويحوزها (عن طريق الشراء أو الامتيازات الخاصة) دون أن يكون له حق تطويرها، أو حتى الحق في فهم مكوناتها الدقيقة.كما يظهر ذلك التقدم بكل وضوح في ثورة المعلوماتية التي تشمل النشاطات الخاصة بانتاج وتخزين ونقل ومعالجة ونشر المعلومات، بما في ذلك النشاطات التقليدية كالأبحاث والدراسات والمكتبات والطباعة والنشر والتلفزة والاذاعة والصحافة، وكذلك الأنشطة الخاصة بالاستشعار عن بعد والاتصالات الهاتفية والتلغرافية، وقد توحدت هذه الصناعة الضخمة بواسطة الحاسوب، وكذلك نلمس ذلك التقدم التقني الهائل في مجال البيولوجيا الحيوية حيث نسمع جميعا عن الجدل العلمي الدائر في الأوساط العلمية والغربية في هذه الأيام حول الهندسة الوراثية والاستنساخ، والأبحاث الخاصة بعلم المناعة.لقد حاولت الدول النامية ومنها دول المنطقة اكتساب التكنولوجيا بطريقة أو بأخرى بعد أن تأخرت في ابتكارها، وكانت الوسيلة المتاحة أمامها هي، النقل الدولي للتكنولوجيا، وقد تم اكتساب التكنولوجيا عن طريق نقلها دوليا وفق عدة نماذج، كان أكثرها شيوعا هو استيراد السلع والمنتجات التي تنتجها الدول المتقدمة. وهذه احدى صور نقل التكنولوجيا ولكنها صورة سلبية لكون هذه المنتجات تستورد بهدف استهلاكها أي تستورد لأغراض استهلاكية وليست انتاجية.كما سعت دول المنطقة إلى شراء المصانع الجاهزة مباشرة، حيث تتولى وفق هذا الأسلوب الشركات العالمية المتعددة الجنسيات بناء المصنع، وتقديم كامل الاجهزة الخاصة به مع تقديم الخدمات التكنولوجية اللازمة، وما يعيب هذا الاسلوب من النقل التكنولوجي تلك القيود الصارمة التي تضعها الشركات المتعددة الجنسيات على أنشطة البحث والتطوير الخاصة بالتكنولوجيا التي قدمتها للمستثمر المحلي في الدول النامية، أي انها تسمح باستخدام التكنولوجيا المقدمة كما هي دون أن يكون له الحق في تطويرها، ويتم املاء هذه الشروط في ظل عدم التكافؤ في القوة التفاوضية للطرفين. ومن الأساليب الأخرى التي برزت من خلال تجارب العديد من دول العالم ومنها دول المنطقة هي المشاركة مع شريك محلي، حيث تقدم له الشركة العالمية الخبرة الفنية اللازمة بما فيها الاجراءات الخاصة بمنح التراخيص مع اسهام نسبي في رأس المال، ويتميز هذا الأسلوب بامكانية الاستفادة النسبية من التكنولوجية الغربية في صناعات محلية، وبالتالي التزاوج بين مدخلات وطنية وأجنبية، إلا أنه يظل اسلوبا قاصرا عن اكتساب التكنولوجية بشكل كامل وتطويرها في صناعات وطنية بالكامل.كذلك شهدت العديد من دول المنطقة شأنها شأن الكثير من الدول النامية اسلوب الاستثمار المباشر، وذلك بقيام الشركات العالمية بفتح فروع لها في الدول النامية وعادة تكون نسبة المشاركة مع الشريك المحلي (50 - 50) مع اقتسام المخاطر. بينما سمحت دول خليجية أخرى بعضها في قطاعات مختلفة وبعضها في قطاعات محددة بالتملك الأجنبي الكامل للمشروعات في بلدانها. وهذا الأسلوب وأن كان يشجع بالكامل الاستثمار الأجنبي، إلا أنه لا يعني بالضرورة توفير الامكانية للاستفادة من التكنولوجية الموظفة في الانتاج، اللهم إلا إذا اشترطت منح تراخيص الاستثمار مثل هذه الشرط، كأن تشترط إعادة توظيف جزء من العوائد في تطوير القاعدة التكنولوجية المحلية، أو توظيف العمالة الوطنية على استخدامها، أو اعادة توظيفها في مشورعات كما يحدث بالنسبة لمشروعات المقايضة المتبادلة أو ما تسمى بمشاريع الـ offset.لقد تفاوتت استفادة الدول النامية ومنها دول المنطقة من تلك الطرق تبعا لمدى استعدادها وتصميمها وتخطيطها للاستفادة منها. وصحيح أن تلك الأساليب وكما ذكرنا تظل قاصرة عن تحقيق التقدم التكنولوجي المرجو للدول النامية الذي من شأنه أن يقلل الفجوة التكنولوجية بينها وبين الدول المتقدمة، فانها برزت تأثيراتها الإيجابية في تلك الدول التي كانت أكثر تصميما على الاستفادة منها ولا سيما في عدد من دول آسيا كماليزيا، وسنغافورة، وكوريا الجنوبية، وتايوان، وكذلك بعض دول أمريكا اللاتينية.ومن الواضح اذن انه ليس أمام دول المنطقة في ظل الوضع السابق إلا ان تضاعف من جهودها في سبيل توليد التكنولوجيا، بمعنى ابتكارها وانتاجها بدلا من شرائها واستهلاكها، ويمكن أن يأتي لها ذلك عن طريق عدة وسائل أهمها: تكثيف أنشطة البحث والتطوير، وتقديم الدعم الكافي من القطاعين العام والخاص إلى هذه الانشطة، وكذلك التوسع في انشاء مراكز البحث والتطوير مع الاهتمام بانشاء اقسام خاصة بالبحث والتطوير في الوحدات الصناعية والقطاعات الانتاجية المختلفة، بالإضافة الى ذلك تبرز أهمية القيام بدعم المراكز العلمية وتشجيع تأسيس المعاهد البحثية المتخصصة مع تقديم الجوائز المادية والمعنوية لأفضل البحوث التطبيقية، وكذلك تشجيع الباحثين والعلماء وتسهيل السبل أمامهم للابداع والابتكار، وكذلك تشجيع اقامة المؤتمرات العلمية والندوات واللقاءات المهتمة بشئون البحث العلمي والابتكار والتكنولوجيا. كما أن هناك جانبا في غاية الاهمية ينبغي العمل على توفيره وهو (المناخ أو البيئة الصحية) اقتصاديا واجتماعيا التي تهتم بالخلق والابتكار وتعزيز قيمة البحث العلمي، والتي تشجع على احداث التطوير في كل القطاعات، ويمكن توفير ذلك المناخ الصحي من خلال المناهج التعليمية، وكذلك عن طريق التوعية عبر وسائل الاعلام المختلفة، وكذلك عن طريق تطوير العنصر البشري من خلال توفير التدريب العالي والمتخصص للمصادر البشرية التي تعتبر هي الاساس في كل تقدم تكنولوجي.