ثغرة يتسلل منها الضوء ..
حين يُذكر نيرون روما تتداعى إلى الذاكرة كثير من الفظائع والأعمال الوحشية التي ارتكبها. مع ذلك، توجد في شخصية نيرون ثغرة يتسلل منها بعض الضوء. فقد كان محبا للشعر والموسيقى ومولعا بالمسرح والتصوير والنحت وبقية الفنون الجميلة الأخرى. كان إذا غنى لا يسمح لأحد بالخروج من المسرح. وقد جاء المخاض بعض الحوامل وهنَّ في المسرح، وتظاهر بعض الرجال بالموت كي يحملوا إلى الخارج! لكنه لم يمارس التدمير من أجل التدمير. كان، والعهدة على الراوي، يشاهد حريق روما وهو بثياب المسرح منشدا ملحمة شعرية من الأدب الإغريقي، وكانت تراوده فكرة بناء روما جديدة أجمل على أنقاض روما القديمة. لا أحاول بهذه المقدمة أن أكون «محامي الشيطان»، لكني أحاول التمييز بين موقفين نقيضين.كان نيرون مصابا بجنون العظمة، لكنه لم يكن عدوا للفن والجمال أو الحياة بشكل عام. كما هي حال قوى التدمير أو موجات «الوندال الجدد». فبين هؤلاء المنفصلين عن الواقع وبين الحياة عداء، وبينهم وبين الجمال جفوة، وبينهم وبين الآثار التاريخية ومعالم الحضارة الإنسانية ثاراتكان نيرون مصابا بجنون العظمة، لكنه لم يكن عدوا للفن والجمال أو الحياة بشكل عام. كما هي حال قوى التدمير أو موجات «الوندال الجدد». فبين هؤلاء المنفصلين عن الواقع وبين الحياة عداء، وبينهم وبين الجمال جفوة، وبينهم وبين الآثار التاريخية ومعالم الحضارة الإنسانية ثارات. والضد يظهر حسنه (أو قبحه) الضد. ومن يطلع على سيرة نابليون بونابرت يلاحظ تعلقه بالفن، وذائقته الفنية العالية، وشاعريته سواء كتب الشعر أم لم يكتبه. قال معلقا على لوحة (التتويج) التي رسمها الفنان ديفيد: «هذه ليست مجرد لوحة. فلندخل فيها لنتمشى قليلا»! وكان يرى في الفن ضمانة للخلود. بلغت غنائم نابليون من حروبه 5000 قطعة فنية، استولى عليها من البلدان التي وصلتها جيوشه في أوربا وأفريقيا وآسيا. وكانت ترافقه في غزواته فرقة أبحاث أكاديمية خاصة بالآثار. كانت الأهمية التاريخية والقيمة الرمزية العالية للآثار هي دافع الإمبراطور لنهبها وحفظها في متاحف فرنسا. ولم يكن المال دافعه للاستيلاء على تلك القطع الفنية. لكن ذلك كله لا يبرر السطو على آثار الثقافات الأخرى. أثناء الحروب والفوضى والانفلات الأمني يتم الاستيلاء على كثير من المقتنيات والآثار الفنية وتهريبها وبيعها سعيا وراء المال. وسواء أدرك المعتدي القيمة الرمزية لتلك المقتنيات والآثار أم لم يدرك، فإن الدافع الرئيس وراء الاعتداء عليها هو المال، ولا شيء سواه. اختفت من المتحف العراقي أثناء الاحتلال أكثر من 13800 قطعة أثرية، وهي أكبر سرقة لمتحف شهدها التاريخ. يومها استولى بعض العامة على الكراسي والطاولات والمكيفات والمكانس الكهربائية، أما لصوص الآثار فقد سرقوا المتاحف وهرَّبوا محتوياتها، وأما الحريصون على ذلك التراث الإنساني فقد تجرعوا المرارة. وعَود على بدء أقول: يمكن أن نستوعب أسباب السطو على ذلك التراث الإنساني من أجل الاحتفاظ به كما فعل نابليون، أو من أجل بيعه طمعا في المال، كما يفعل لصوص الآثار. أما الشيء الذي لا يخضع للمنطق، ولا يمكن استيعابه فهو موقف قوى التدمير أو «الوندال الجدد» من المعالم التاريخية، والقيم الجمالية والفنية. ومن كل ما هو حضاري وإنساني بشكل عام. كيف يمكن فهم تلك التركيبة النفسية، أو تفسير ذلك السلوك المدمر الرامي إلى محو الهوية الثقافية والحضارية للمكان والإنسان؟ لا يوجد تفسير لذلك السلوك الشاذ سوى الخواء الفكري والحياة الفارغة من المعنى. وفي مثل هذه الحالة المَرَضية تسود الغوغائية، وتسيطر روح التدمير. في مثل هذه الحالة المَرَضية لا توجد ثغرة، ولو صغيرة، يتسلل منها الضوء.