دكاكين بيع الوهم
يبدو أنه أصبح شائعاً بيننا ألا نخدم أنفسنا ولا نقوم بواجباتنا، فمثلاً يصعب على شريحة واسعة تصور أن يقوم هو او هي بتنظيف غرفته أو جلي أطباقة او ملابسه المتسخة أو كوي ملابسه؛ ليس لعدم امتلاكه للوقت أو القوة بل لعدم قبوله القيام بهذه المهام، حتى لو كان لخدمة نفسه بنفسه! ويبدو أن الأمر تجاوز المنزل ووصل إلى المدرسة، فعندما تطلب المُدرسة او المدرس عملاً فنياً أو لوحة لنشاط مدرسي معين، فمن التلاميذ من لا يقوم بنفسه، بل يكلف أحد الدكاكين للقيام بذلك مقابل أجر، ولا يفوت التلميذ أن يذيل اللوحة او العمل الفني الذي صنعته يد من يعملون في «الدكان».. لا ينسى التلميذ اليافع من أن يذيل العمل باسمه الثلاثي، ولا ينسى أن يتموضع اسمه في مكان بارز. ويستمر الأمر فيلا بد من منع هذه الممارسة قانونياً، ونشر الوعي حولها في المدارس والجامعات من خلال محاضرات ونشرات، وكذلك توعية الأهالي بأن «تمويلهم» يؤدي لفقدان ابنهم او ابنتهم لفرصة اكتساب مهارة أو قدرةالكليات والجامعات والمعاهد العليا، بل تجد أن عديداً من دكاكين إعداد البحوث والتحاليل الكمية والاحصائية تحيط بالجامعات إحاطة السوار بالمعصم، ويقصدها بعض الطلاب والطالبات لتعدّ البحوث التي يطلبها الأساتذة، وكذلك لا ينسى الطالب أن يدبج اسمه على صدر صفحة الغلاف. بممارسات مثل هذه، يقع تلاميذنا وطلابنا في فخ إساءة استخدام المال. هناك اشكالات اخلاقية غير خافية منها الملكية الفكرية وحقوق المؤلف، فضلاً من الجوانب المهارية؛ إذ القصد من تكليف المُدرس لتلامذته القيام بعمل لوحة أو إنجاز نشاط لاصفي هو لاكتساب مهارة فردية أو جماعية، وفي حال أن التمليذ أو التلامذة قاموا «بشراء» خدمات شخص آخر للقيام بالمهمة، فينفقوا المال ليخسروا فرصة اكتساب المهارة! أذكر اني قابلت مرشحاً جامعياً لوظيفة، وأخبرني أنه عمل بحثاً تحليلياً عن ظاهرة اقتصادية، وعرض عليَ الاطلاع عليه، فرحبت بذلك، ووجدت الورقة تعج بالتحاليل الاحصائية واستنتاجات مبنية عليها، فقلت له: يبدو أنك متمكن في الاحصاء وبرنامج التحاليل الاحصائية (SPSS)، ردّ مستغرباً: ما هو (SPSS)؟! سماحنا كمجتمع بانتشار ظاهرة عمل البحوث بالوكالة وشراء الملكية الفكرية وادعاء ملكيتها أمر فيه اشكالات متعددة، ولا بد من منع هذه الممارسة قانونياً، ونشر الوعي حولها في المدارس والجامعات من خلال محاضرات ونشرات، وكذلك توعية الأهالي بأن «تمويلهم» يؤدي لفقدان ابنهم او ابنتهم لفرصة اكتساب مهارة أو قدرة. وبالتأكيد، فأمام المدارس والجامعات مهمة أساسية وهي محاربة هذه «الآفة» بأساليب تقليدية ومبتكرة؛ أما التقليدية فتقوم على المنع والملاحقة، أما المبتكرة فتقوم على توظيف التقنية للاطمئنان من ان التلميذ قام بالعمل بنفسه. أقرّ ان المهمة صعبة خصوصاً ان هناك من لا يجد غضاضة في ممارستها، وفي ظل انتشار تلك «الدكاكين»، وفي ظل توفر مواقع لها عبر الانترنت وأن كامل «الصفقة» تتم عبر مبادلات الكترونية دون أن يقابل أي طرف الآخر وجهاً لوجه؛ يدفع المال بتحويل الكتروني، ويستلم البضاعة (البحث) الكترونياً. لعلنا بحاجة لإدخال مفاهيم في مناهج التعليم العام والعالي تحت مسمى «أخلاقيات البحث والملكية الفكرية وحقوق المؤلف» لتوعية أبنائنا بالخصوص والمجتمع عموماً.