أمراض يخلقها العمل
الأمراض التي أقصدها ليست المصنفة بأنها مهنية والناتجة عن التعرض لعوامل ضارة كيميائية، مسرطنة أو مشعة والتي تخضع لكشف طبي ويعمل لها تقرير لإثباتها، وبالتالي تعويض المصاب، بل أعني الأمراض الأخطر، لم تصنف بعد بأنها أمراض مهنية وتنتج عن سوء الإدارة في العمل وأكثرها شيوعا الأمراض النفسية التي تخلف وراءها أمراضا جسدية خطيرة ولا يعوض صاحبها.إحدى الموظفات أصيبت بجلطة في الساق نتيجة لطول جلوسها في المكتب ولأوقات قد تصل - في العديد من المرات - إلى 12 ساعة لا تقوم إلا اضطراريا، والسبب أن مديرها صارم لدرجة مخيفة، ورغم أنها تعمل كسكرتيرة إلا أنها تدير المكتب من الألف إلى الياء. كما أنها ملزمة بالمكوث دون حراك في حال وجود ضيوف أو زائرين وإن امتد وقتهم إلى الليل، فقد يناديها في أي لحظة، وها هي تتقاعد لتعالج نفسها بنفسها فماذا استفادت؟في الحقيقة إن مثل هذه المعاملة ما هي إلا استعباد مشين وامتهان ترفضه قوانين العمل، وهو أشبه بأعمال السخرة في وقت من المفترض أنها انتهت هذه الصيغ في جوهرها اللغوي والضمني، لكن هناك قصص تشي لنا بوجودها في أسواق العمل.المشكلة أن المدير أو الرئيس أو المشرف يحسب نفسه مالكا للشخص العامل تحت إدارته، فهو ينسى أو قد تنسيه مكانته الوظيفية أن فريق العمل الذين يعملون معه هم شركاؤه في العمل لا عبيد تحت إمرته. فيجب أن يحب لهم ما يحبه لنفسه، فوظيفته الإشراف على الفريق لضمان القيام بالمهمات لا خوض حرب ضروس مع أحدهم ليرهقه نفسيا وبدنيا ويحيل حياته لجحيم.كيف يمكن لإنسان أن يعطي بكفاءة إذا لم تتهيأ الظروف لتساعده؟ يشكو أحد الشباب العاطلين أصيب بالسكر قبل فترة من أن مسئوله في العمل - بنغالي الجنسية - كان يضايقه بكل سلطته ويضغط عليه ويفتعل له المشاكل، وهذه الحالة جعلته يكره المداومة على عمله، بل يكره تذكر العمل من أساسه، حتى ساءت أحواله المهنية، ونتج عنها دوام متأخر، أعذار طبية متراكمة، تهاون في العمل، فلم يعد يصل للهدف «Target» المحدد في الإنتاجية، أعطي الإنذارات حتى تم فصله وكانت نقطة سوداء في ملف عمله أعاقت توظيفه. كل ذلك بسبب مسئوله البنغالي الذي كان يريد أن يبرهن على أن العمال المواطنين ليسوا أهلا للعمل حتى يستبدلهم بعمال من بني جنسه وهذا ما حدث بالفعل، ليترك هذا الإنسان شبه محطم عاطلا ومريضا.هذا السلوك يؤدي إلى أمراض نفسية واكتئاب وهدم حياة ويسبب أمراض السكر والضغط والتصلبات العصبية، وقرحة المعدة وغيرها، نتيجة سوء الإدارة التي تفقد العامل إنسانيته. فكما يلزم دبلوم التربية للمدرسين، أتوقع أن إعطاء دورات في حسن الإدارة سيكون كالوقاية - التي هي بالطبع - خير من العلاج.@hana_maki00