حسن السبع

العهدة على الراوي ..

قبل إلقاء محاضرته في مادة علم الاتصال استدعى أستاذنا طالبا إلى قاعة أخرى، وأسمعه بواسطة جهاز التسجيل خبرا صحفيا، ثم استدعى طالبا آخر وطلب من الأول أن يبلغ زميله فحوى الخبر بمعزل عن الطلاب الآخرين. وقام الأستاذ بتسجيل ما يقوله الطالب لزميله، ثم طلب من الثاني أن يستدعي زميلا ثالثا للغرض ذاته.. وهكذا، حتى بلغ عدد الطلاب الذين تناقلوا الخبر حوالي سبعة طلاب. وحين استمعنا إلى التسجيلات وجدنا تفاوتا كبيرا ومثيرا للدهشة والضحك بين الخبر من مصدره الأول والخبر في صيغه الأخرى. كان كل طالب ينقل الخبر كما فهمه، إما بالزيادة أو بالنقص. وقد أثبت الأستاذ بهذه التجربة أن «آفة الأخبار رواتها».يصبح الأمر «ضغثا على إبالة» عندما يحاول المحرر ذو القدرات المحدودة أن يتذاكى فيبتدع عنوانا مثيرا يحرف المضمون. إنه أشبه بذلك الذي أراد أن يحيي (ليلة حمراء) فأشعل حريقا في المنزل. والسؤال هو : ألا يمكن صياغةَ عنوان شائقٍ ومثير وجذاب دون جناية على الحقيقة، أو الإخلال بأصول وأخلاق المهنة؟ تذكرني هذه التجربة بحكاية أخرى تختزنها الذاكرة منذ الصغر. فقد أجرى طبيب عمليةً جراحية لأحد المرضى، فنقلت الممرضة التي عاونت الطبيبَ أثناء إجراء العملية إلى إحدى زميلاتها أن الطبيب قد أخرج من بطن المريض شيئاً أسودَ كالغراب. ونقلت الممرضة الثانية الخبر إلى زميلة أخرى بأن الطبيب قد أخرج من بطن المريض غرابا، ومع تعدد الرواة من الممرضات وصل عدد الغربان التي أخرجها الطبيب أثناء العملية الجراحية إلى ثلاثة غربان سُوْد (!!). تقصى الطبيب مصدر هذه الشائعة فاستدعى الممرضة الأولى وسألها: هل قلت : إنني أخرجت من بطن المريض ثلاثة غربان سُوْد؟ قالت الممرضة : لا.. يا سيدي، بل قلت : إنك قد أخرجتَ من بطن المريض شيئاً أسودَ كالغراب.«آفة الأخبار رواتها».. ورواتها في مجال الإعلام المراسلون والمحررون. تتعدد أسباب الخلل والنتائج واحدة : خبر مشوّه تنقصه المصداقية. ومن أسباب ذلك ضعف قدرات المحرر. ويصبح الأمر «ضغثا على إبالة» عندما يحاول المحرر ذو القدرات المحدودة أن يتذاكى فيبتدع عنوانا مثيرا يحرف المضمون. إنه أشبه بذلك الذي أراد أن يحيي (ليلة حمراء) فأشعل حريقا في المنزل. والسؤال هو : ألا يمكن صياغةَ عنوان شائقٍ ومثير وجذاب دون جناية على الحقيقة، أو الإخلال بأصول وأخلاق المهنة؟ لا أعرف من اخترع عبارة «كلام جرائد» أعرف فقط أنه أراد التقليل من مصداقية ما تنشره الصحف. لكن، هل كل كلام الجرائد «كلام جرائد»؟ وهل الكتب، كل الكتب، أصدق إنباءً من الجرائد؟ وماذا عن بقية وسائل الاتصال الشفوية والمرئية والمسموعة والمقروءة؟ ألا يمكننا أن نستخدم التعبير نفسه فنقول: «كلام فضائيات، وكلام إذاعات، وكلام مواقع إلكترونية، وكلام مجالس» وهكذا.يبدو أن الذين ثبَّتوا تلك العبارة في ذاكرة الناس هم (رواة الأخبار) ولكل راوٍ هدفه المبطّن أو المعلن. فإذا خضع الإعلام للسياسة، وهذه هي القاعدة وليس الاستثناء، حُذف المبتدأُ «وجوبا» لكي يُحرَّف الخبر. وفي هذه الحال لا مكان لحسن النية، وسلامة الطَّوية، ولا صوت يعلو فوق صوت مموّل  المؤسسة الإعلامية وتوجهاته الأيدولوجية والسياسية.  هذه بعض أفاعيل «آفات الأخبار» على المستوى الإعلامي، أما على المستوى الاجتماعي فتأمل شكوى الشريف الرضي الذي يقول: «وهمْ نَقَلوا عنَّي الذي لم أَفُهْ بهِ/ وما آفَةُ الأَخبارِ إِلا رُواتُها»! وتأمل شكوى شاعر آخر يقول: «إنْ يعلموا الخيرَ يُخْفُوهُ، وإنْ عَلِموا شرّاً أُذِيعَ، وإنْ لم يعلموا كذبوا»! وعما تسببه الشائعات من أذى يقول ثالث : «قد قيلَ ما قيلَ إنْ صِدْقاً وإنْ كَذِباً، فما اعتذاركَ من قولٍ إذا قِيلا»! وُقِيتم، جميعا، شرَّ الآفات ما خفي منها وما ظهر.