شيخ الشافعية .. ومدرسة الورع
بعيدا عن الأضواء عاش شيخ المدرسة الشافعية في الأحساء فضيلة الشيخ أحمد بن عبدالله الدوغان أكثر من قرن من الزمان، لم تسجل له الإذاعة صوتا، ولم تعرف له الفضائيات صورة، ولا رصدت له الصحف فتوى أو حديثا، بل ظل هناك في مساجد الكوت والخالدية في الهفوف محاطا بالعشرات من طلاب العلم، من كافة الدرجات العلمية، من الابتدائية إلى الدكتوراة.عاش الشيخ أنموذجا للعالم الورع، والوالد المربي؛ حتى أصبح (الدرس) ـ كما يحب طلابه تسميته ـ مقدما لديهم على كل مطلب من مطالب الحياة. فقد شغف به أستاذهم ـ رحمه الله ـ فشغفوا به هم، يقول أحد طلبة (الطب) وهو من طلبة الشيخ : «لو خيرت بين الدرس والكلية لاخترت درس الشيخ».تمثلت في الشيخ أحمد الدوغان صورة الشيخ المتواضع، الذي لم يكن يعنيه ما يعني غيره من البروز والظهور، بل إنه يرى أن الظهور يقصم الظهور، حتى عاتب من كتب سيرته ونشرها في كتابه.ولا شك في أن الشيخ منذ أن انطلق درسه قبل أكثر من ثلاثين عاما في مسجد العبداللطيف في الكوت، على يد أ.د.أحمد الحليبي ومعه بعض طلبة العلم آنذاك، قد أجال حبَّ العلم في نفوس طلابه، ليغدو أحلى ـ في خواطرهم ـ من كل زينة، وهم لا يزالون شبابا يرون ما يتمتع به الشباب من حولهم من متع طافحة لا جذور لها، هشة ما أسرع ما تتهشم، بينما تبقى للعلم لذته المتنامية الراسخة، التي تبنيهم علماء أجلاء، ومنائر ضياء. ولا شك في أن حب طلبة الشيخ له جاء بمعادلة بشرية، تقرر أن الناس مجبولون على حب من أحسن إليهم، وقد قال ابن عبد الهادي : «العامة تحب ابن تيمية لأنه منتصب لنفعهم ليلا ونهارا، بلسانه وقلمه». سخر الشيخ الراحل كل عمره من أجل نشر العلم وتنشئة العلماء، وجعله منهجه الوحيد، مقتصرا على مذهب شيخه الإمام محمد بن إدريس الشافعي ـ رحمه الله ـ مع تقديره العظيم لبقية الأئمة الأعلام، مبتعدا عن عدد من المسائل الخلافية التي يتطارحها الشباب من حوله مع أقرانهم المنتمين للمذاهب الأخرى، ولم يعرف بدعوته أو تبنيه قضية مثيرة للتضاد، حتى اجتمعت عليه القلوب، وشهدت جنازته المهيبة بذلك، مؤصلة ذلك التعايش الذي يميز (الأحساء) عالميا ـ دون مبالغة ـ الذي لا يعني ضرورة اعتقاد معتقد الآخر كما هو، ولا فكره بحذافيره، ولا آراءه كلها، لكنه يعني تقبل العيش معه في جو من الحوار، والدعوة، والتناصح، والتعاون على ما يمكن التعاون عليه، حتى وإن أنكر بعض ما يعتقده أو ما يعمله؛ ما جعل كل المذاهب الإسلامية تتعايش بمدارسها المختلفة في الأحساء، ولها شيوخها، ومدارسها الأهلية، وهو ما لاحظه الشيخ البيتوشي الذي عاش في الأحساء ـ قبل قرنين ـ نحو أربعين عاما، فقال: إن المذاهب كالمناهل في الهدى، والمرء مثل الوارد الظمآن، والنفس إن رويت بأول منهـل، كفيت بلا كره لورد ثان.تمثلت في الشيخ أحمد الدوغان صورة الشيخ المتواضع، الذي لم يكن يعنيه ما يعني غيره من البروز والظهور، بل إنه يرى أن الظهور يقصم الظهور، حتى عاتب من كتب سيرته ونشرها في كتابه، وأورد عليه حديث الرسول (صلى الله عليه وسلم) حين مُدِح رجل عنده : «وَيْحَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ مِرَارًا»، ويروي لي د.خالد الدوغان عتاب الشيخ له حين سجل إهداء رسالته العلمية له، فقال له : «أما علمت قول الإمام الشافعي : «وما في قلبي من علم، إلا وددت أنه عند كل أحد ولا ينسب لي».ومن ثمرات الشيخ أحمد ـ رحمه الله ـ نبغ عدد من طلبة العلم حتى أصبحوا بين يديه علماء، ومن أبرزهم من كان الشيخ يخلفه في مقامه في الدرس، وهو د. أحمد بن عبد اللطيف العرفج، وقد عرفته عن قرب، فقد عشت معه أربعين عاما بين تعلم وعمل، فما عرفت عنه إلا خيرا، علما وورعا وعبادة وزهدا وحفظا للسانه عن الخوض فيما لا ينفع، مبتعدا عن كل ما يفرق بين أهل العلم والدعوة، فنعم الخلف لذلك السلف، هذا ما أحسبه عليه والله حسيبه ولا أزكي على الله أحدا.ملخص منهج الشيخ الدوغان كان في وصيته لطلابه : «أوصيكم بتقوى الله وطاعته وطلب العلم والعمل الصالح وإخلاص النية».