السياقة في قطر
عملتُ في قطر سنوات. ورغم أنني زرت الدوحة قبل ذلك مراراً منذ الصغر بحكم قربها من الأحساء (250 كم من الباب للباب)، إلا أن عملي مطلع التسعينيات تزامن مع بدايات سواقة المرأة للسيارات هناك. بعد أن انتقلت للعمل في الدوحة كنت أمام معضلة حقيقية؛ فالعمل يتطلب ساعات طويلة ومتواصلة بما لا يسمح لي أخذ الصغار للمدارس، وإن سمح لي أخذهن صباحاً فلن أتمكن من مجاراة جداول خروجهن المتفاوتة مساءً. ولم يكن وارداً أن أستعين بسائق؛ حيث كنا كأسرة قررنا أننا لسنا بحاجة لسائق فمشاويرنا محدودة. بالتدريج أخذت تتبلور فكرة أن تسوق زوجتي سيارة، وكانت زوجتى غاية في الحماس بعد أن عايشت معاناة الأسرة للتوصيل للمدارس وبالأخص في أوقات سفري، فيكون التحدي تأمين مواصلات للمدارس وما إلى ذلك من احتياجات المنزل. تقدمت زوجتي بطلب للحصول على رخصة سواقة مركبة خفيفة، وكان عليَ أن أذيل الطلب بتوقيعي كذلك حيث كانت تشترط موافقة ولي الأمر، وخطابا يثبت حاجة زوجتي لسواقة السيارة. كان عليها أن تجتاز فحصا نظريا عن قانون المرور وإشاراته وآداب السواقة، وأن تجتاز اختباراً عملياً في سواقة السيارة. لم تكن قيادة المرأة للسيارة في قطر أمراً شائعاً لاعتبارات عديدة منها أن الرخصة لا تمنح إلا لمن: تأتي بموافقة وليها الشرعي، وتثبت أنها بحاجة لسواقة سيارتها بنفسها. كما أني لم ألحظ آنئذ أن امرأة كانت تقود سيارة ليلاً أو على الطرق السريعة خارج حدود الدوحة. الآن، وبعد مرور كل تلك السنوات فالأمر يختلف، لكن التدريج كان ملائماً للمجتمع وعاداته وأعرافه. أخذت أم العيال تَسوق السيارة، وبدأت أمور الأسرة تنتظم إذ لم يعد الاعتماد منصباً على شخص واحد بل توزعت المهام بيننا، فأصبح إفطار الأسرة صباحاً أكثر هدوءًا، تذهب هي بعده بالصغار للمدارس فيما أنطلق لعملي، وكانت لديها وسيلة التنقل لتؤدي زياراتها الاجتماعية والضحويات والعصريات وأن تتسوق للبيت. ولم يخل الأمر من اتصالاتها –وهي منزعجة- من نوع: في أحد صدم السيارة تعال تفاهم معاه! تعال صَلّح بنشر السيارة. بالنسبة لي لم يزعجني ذلك قط، فقد كانت تجربة إيجابية ومفيدة للأسرة لأبعد حَدّ كما أنها حررت لي ساعات ومكنت زوجتي من الحركة. كانت التجربة متميزة إلا مع شخص كان يعارض سواقة المرأة للسيارة معارضة مبدئية، فمن سوء حظنا أن صدم سائقة سيارتنا، وأتذكر أن زوجتي اتصلت بي قائلة: حادث بسيط بس الرجل «يشخط»، أتيت على عجل لموقع الحادث، فبادرني: ليش تخلي زوجتك تسوق؟! قلت له: المخطئ سائقك! قال: أسألك شرق وتجاوبني غرب، ليش تخلي زوجتك تسوق، الحريم محلهم البيت؟ قلت له: أنت بكيفك، بس الرخصة خلتها تسوق. كنت أعرف الرجل متخصصا في القانون لكنني اكتشفت عندها أني لا أعرفه.