ليس دفاعاً عن السمكة
زارني أحدهم في الرياض لعمل بيننا، واقترحت تناول الغداء قبل مغادرته للمطار. صرح بأنه عادةً يفضل الأسماك لكن وبما أن الرياض ليست على شاطئ فإنه سيأكل أي شيء آخر فبدون السمك –حسب قوله- تتساوى المأكولات! حاولت إقناعه أن تمركز الرياض على هضبة وبعدها نحو 400 كيلومتر عن الساحل لا يعني أنها خالية من الأسماك الطازجة، فما كان منه إلا أن حذرني بأنه خبير في الأسماك وخصوصاً أسماك خليجنا العربي، وقال بتواضع إنه لا يريد الذهاب لمطعم مُكلف، وان ليس علي أن أتعب وأجهد نفسي لأثبت نقطتي. ذهبنا إلى مطعم شعبي وشحطة، وقبل أن يأخذ صديقي مكانه طلبت منه أن نختار السمك،لا أصرّ أن تستمر الأجيال القادمة في تناول أطباقنا التقليدية دون تعديل، لكن لننشر ثقافة تناول الأسماك حتى مع الباستا أو المناقيش!بل أن يختار ما يريد ليطهى بالطريقة التي يريد، فقال: تريد أن تختار الأسماك هنا؟ ذهبنا إلى حيث تُعرض الأسماك، فانشغل صاحبي بتقليبها وتفحصها بتمعن ليستوعب المفاجأة السارة: هذه أسماك طازجة بالفعل، ثم سألني عن الأسعار، أجبته: بالكيلو، كما هو مبين أمامك، وتعدّ بالطريقة التي تفضلها. مسرح تلك القصة مدينة الرياض كما ذكرت، وقد تناولنا وجبة شهية من الربيان المشوي والحمام العربي والعندق، ولم تك وجبة مكلفة أبداً. في حاضرة الدمام الواقعة مدنها وقراها على شاطئ الخليج، لن تجد مطعماً للأسماك الطازجة أسعاره في المتناول، ستجد مطابخ نعم، أما مطاعم تختار الأسماك وتتناول الطعام فذلك يعني أن تنفق أموالاً. سيرشدني أحدكم إلى مطعم هنا وآخر هناك، لكن المقصود مطعم اقتصادي نظيف مرتب، فمن يَعرف مطعماً يتمتع بهذه المواصفات فليخبرني وله الفضل والشكر. وقبل ذلك، فالحديث ليس عن مطعم أو اثنين، فحاضرة الدمام من حواضر المملكة الرئيسية سكانياً واقتصادياً وموقعاً ومع ذلك فالأصناف البحرية ليست ظاهرة في كل مكان، رغم أن الأسماك هي الخيار الصحي بعد أن غزتنا السمنة مما نلتهمه من حلويات ملغمة بالسكر ومفاطيح وبرجرات مشبعة بالدهون المشبعة. قلب النظر في المجمعات التجارية لدينا، وحاول أن تستخرج الأماكن التي تتعامل بالأكلات البحرية، قد تجد بعضها لكن بصعوبة، يبدو أن «الهمبرجر» طغى بالفعل، فبعد أن عشنا دهراً بدونه غزانا بأصنافه وأنواعه المدعمة بالخبر السميك والصلصات والكريمة والزبدة واللحوم المشحمة، وتركنا أطباقنا وأسماكنا! أمرنا عجيب. لا أصرّ أن تستمر الأجيال القادمة في تناول أطباقنا التقليدية دون تعديل، لكن لننشر ثقافة تناول الأسماك حتى مع الباستا أو المناقيش! وفي هذا السياق أقول: لعل من الملائم أن تقيم غرفة الشرقية -ما دام لها فرع في القطيف- يوماً تعريفياً بأسماك الخليج وأطباقه والفرص الاستثمارية المتصلة به، لتساهم في تخليص المجتمع من احتكار أنواع وأصناف الهمبرجر، التي إن داوم الشخص عليها شهراً فلن تفلت شرايينه من ترسبات.