د. فالح العجمي

لماذا يطلب الناس النسيان؟

فيما يتعلق بثنائية الحنين والنسيان، تتضارب الآراء، وتوغل الآداب شعراً ونثراً وأمثالاً وغناء في تحديد أي من المواقف، التي تُبنى عليها رؤى الناس المختلفة إلى الماضي وأحداثه، وشريط الذكريات بشخوص من يعنون للمرء شيئاً، أو يكونون قد أثروا في حياته بأي شكل من الأشكال.فهل يصعب على العربي، الذي تربى على عاداته الأصيلة نسيان أشخاص ذاق معهم طعاماً مملحاً (أي اشتركوا في طعام منزلي)؟ وهل هذا الارتباط الشديد بأحداث الماضي هو ما يجعل العرب باستمرار مشدودين إلى ماضيهم، أكثر من تعلقهم بحاضرهم، أو تفكيرهم في مستقبلهم؟ إنها علاقة يصعب فهمها، وتحليلها دون النظر إلى الأشياء ذات المعاني الكبيرة في حياة العربيبالطبع تتفاوت درجات الحنين، وكذلك احتمالات النسيان من موقف إلى آخر؛ لكنها أيضاً ذات سمات محددة في كل موضوع إنساني يتعلق بالذكريات الجميلة، أو المحزنة، مما يحفر في الذاكرة صوراً ذات طابع دائم، وعصية في الغالب على النسيان. وفي الحالات الشعرية يزداد الأمر تضخيماً، لكون الشعر يحرص على تصوير المشاعر الإنسانية بكل أبعادها وآثارها. وقد جعل هذا الوضع الشعر الكلاسيكي، علماً أن الشعر العربي القديم أحد أبرز أصنافه، يتفنن في إبراز تلك المشاعر بأشكال شتى؛ من التوجّد على أوقات مضت، وتذكّر الأيام الحلوة، التي قضاها المرء في تلك الأزمنة، إلى وصف المشاعر بحرقة، وإلى تمني عودة تلك الأيام إن كانت ذكراها جميلة، أو ألا تعود إن كانت أياماً مليئة بالأحزان والآهات. لكن الطريف أن الشعر المغنى في البلدان العربية في العصر الحديث قد ركز على الذاكرة على وجه الخصوص، وأصبحت القضية محصورة في انطباع الصور المرتبطة بتلك الأحداث في الذاكرة أو زوالها بالنسيان، بدءاً من أغنية أم كلثوم الشهيرة: أنساك .. دا كلام؟ وهاني شاكر: نسيانك صعب أكيد، أو ميادة: نعمة النسيان، أو عبدالكريم عبدالقادر: ما نسيناه ...، ومحمد عبده: قالوا: نسيته؟ قلت: ما أقدر أنساه! أو ريما الهلالي: امتى نسيتك؟ وما يجمع هذه الأغاني المتفاوتة في أزمنتها نسبياً، وفي البلدان المنتمي إليها شعراؤها، وكذلك في نوع الأغاني ونوع الجمهور أيضاً؛ هو أنها تخاطب الذات العربية في بؤرة «وجع الذاكرة». فالعرب بوصفهم – حسب تقرير الأنثروبولوجيين – ينتمون إلى الشعوب الرحّل، تكون ذاكرتهم محملة بالآلام المكتنزة من فراق الناس أو الأشياء التي يضطرون إلى الرحيل عنها. لكنهم أيضاً حسبما تفرض ثقافتهم يكنّون صفة الولاء لأولئك الناس الذين عايشوهم، أو الأشياء التي صحبتهم في أماكن مختلفة أو في رحلة السفر من مكان إلى آخر. لذا كانت حادثة المشاركة في الطعام، ولو لمرة واحدة، سبباً في احترام العربي لكرامة الآخر وأسراره، وأيضاً تقدير حاجياته؛ بما يسمونها «الممالحة»، أي أنهم قد تناولوا طعاماً فيه «الملح» (أي طعاماً مطبوخاً). كما يوجد إلى الآن من القبائل العربية من يسمون الدعوة إلى الطعام «الممالحة». بل إن معاشرتهم لبعض الكائنات الحية من حيوانات وطيور وبعض الأشجار، كالكلاب والصقور والإبل بالنسبة للبدوي، والبقر والنخلة بالنسبة لأصحاب المدر؛ قد تخلق لهم صحبة يعلو مستواها عن صحبتهم لبعض البشر وحتى الدرجات العليا من الصداقة. كما أن ارتباط العربي ببعض نباتات الربيع لا يخلو من حس رومانسي يقل وجوده في كثير من المجتمعات؛ حيث لا تكون تلك العلاقة نتيجة ملكية العربي لتلك النباتات المؤقتة في الصحراء، إنما نتيجة حب شديد للأرض وما يعلوها في فترات عطائها خلال فترة الربيع القصيرة. فهل يصعب على العربي، الذي تربى على عاداته الأصيلة نسيان أشخاص ذاق معهم طعاماً مملحاً (أي اشتركوا في طعام منزلي)؟ وهل هذا الارتباط الشديد بأحداث الماضي هو ما يجعل العرب باستمرار مشدودين إلى ماضيهم، أكثر من تعلقهم بحاضرهم، أو تفكيرهم في مستقبلهم؟ إنها علاقة يصعب فهمها، وتحليلها دون النظر إلى الأشياء ذات المعاني الكبيرة في حياة العربي، وهي متغيرة؛ لكن الأحلى هو ما مضى. عندما يريد العرب حالياً تكريم أي فئة، أو التركيز على جهود تمس الحاضر، أو المستقبل؛ فإن أول ما يبدر منهم: لا أنسى ذلك اليوم الذي ...؛ أو: لا أنسى فضل فلان في كذا ... وقلما كان التركيز على صيغ تشير إلى ما ينوون عمله، أو ما يمكن أن يواجهوا به صعوبات المستقبل. وقد أوردت إلى ذهني هذه المقارنة ما كنت أسمعه في بعض نشرات الأحوال الجوية، التي يصفون فيها الطقس خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية؛ بينما الناس في كل بقاع الأرض يريدون معرفة نشرة للطقس خلال الفترة القادمة. أما ما مضى فقد عرفوه وعايشوه .. لكن نقول كما يقول متفلسفو الزمان الماضي: للناس فيما يعشقون مذاهب!