د . أمل الطعيمي

حب الله والشهادة في سبيله

هو الحب فاسلم بالحشا ما الهوى سهل                       فما اختاره مضنى به وله عقلوعش خالياً فالحب راحته عنا                      وأوله سقم وآخره قتلمطلع قصيدة ابن الفارض. وهو شاعر مصري وُلد في القرن الخامس الهجري. اشتغل بالفقه على المذهب الشافعي وتعلم الحديث من ابن عساكر. ثم رحل إلى مكة معتزلاً بنفسه زاهداً في دنياه.قصيدته تلك تَغنّى بها كثيرٌ من المؤدين من الشعراء وغيرهم ينشدونها كمواويل. وهي قصيدة طويلة حملها الشاعر فلسفته الخاصة في الحب، وهي فلسفة لا يقبل بها المحب العادي الذي يرضى إذا رضي الحبيب ويسلوه إذا غاضبه. حب إمّا أن يكون لغير البشر أو حبٌ لبشر، ولكن صادر عن محب مختلف ناضج في رؤاه متحكِّمٌ في شعوره، لا شأن له إن صدّ الحبيب أو أقبل لأن اهتمامه الأولى أن تبقى مشاعره هو حيّة نابضة متوقِّدة على كل حال. واعتبرت القصيدة من قصائد الحب الإلهي. وإن كنت أراها غير ذلك أو حتى أُنصِف لا بدّ أن أقول: إن اختلافها في التعبير عن الحب والتعامل معه يدفعني للقول: إن القصيدة جمعتْ بين حُب ربِّ البشر والبشر. فهو يأتي على ذِكر امرأةٍ اسمها (نُعم) وربما أنه يعني من كل ذلك غناه بحب الله عمّا سواه، وقد جاء ذلك بطريقة دقيقة في المزج بينهما، ممّا يستدعي اختلافنا في تفسيرها، فقوله السابق لا نرى فيه إلا كلام محب مجرب ملتاع ينصح غيره بأن ينجوا بأنفسهم من الحب، ولكنه يقول بعد ذلك:ولكن لدي الموت فيه صبابة               حياة، لمن أهوى علي بها فضلومن الواضح أن المعنى هنا يحتمل الأمرين فالموت حباً في الله ليس بكثير لأنه سبحانه واهب الحياة، وبذا يكون موته في سبيل الله حياة أخرى. وأيضاً قد يكون المعنى حول ما تعارف عليه العشاق من أن الموت بالصبابة حياة لهم. غير أن المعنى الأول يرجح بأن الحياة بعد الموت هي فضل من الله على من يموت شهيداً. ويؤكد هذا المعنى قوله فيما بعد:نصحتك علماً بالهوى والذي أرى                         مخالفتي، فاختر لنفسك ما يحلوفإن شئت أن تحيا سعيداً فمت به                         شهيداً وإلا فالغرام له أهلهنا يتبين لنا أكثر ممازجة الشاعر بين حب الله والشهادة في سبيله وحب الغرام الذي تختص به امرأة ما.ويزيد أيضاً في هذا المعنى قوله الجميل:وقل لقتيل الحب وفّيت حقهوللمدّعي هيهات ما الكَحَل الكُحْلفوفاء الحب لله هو أن تُقتل لأجله أمّا من يدّعي غير ذلك فهيهات أن يثبت حبه فليس الكَحَل (بفتح الكاف والحاء) يشبه الكُحْل (بضم الكاف وتسكين الحاء) وهو يريد الفرق ما بين الكحل الطبيعي والمصطنع.ويزيد المعنى الذي أراده بدلالة معنوية دقيقة في مقارنتها تعرض قوم للغرام وأعرضوا                     بجانبهم عن صحتي فيه فاعتلوارضوا بالأماني وابتُلوا بحظوظهم                        وخاضوا بحار الحب دعوى فما ابتلوافهم في السرى لم يبرحوا من مكانهم                    وما ظعنوا في السير عنه وقد كلواهكذا يستعصي على كثيرٍ من القراء أن يفصلوا بين ما يريده الشاعر من معانٍ وما يتطلبه الحديث عن الغرام البشري من معان تتقارب المعاني وتتباعد كاختلاط الزيت بالماء، ولك أن تأخذهما معاً ولك أن تفصل، وهذا يتطلب دراية ودقةً وقدرة. وتطول القصيدة وتضيق المساحة ولكن خذ هذين البيتين وقلِّبهُما كيف شئت ففيهما من الجمال ما يكفي يومك: فأرتاح للواشين بيني وبينها                    لتعلم ما ألقى وما عندها جهلوأصبو إلى العُذّال حباً لذكرها                   كأنهم ما بيننا في الهوى رسل