د. إحسان بوحليقة

شلة «ممنوع»

بالأمس وصلت لحقيقة مهمة، وهي أن مجموعة من أصدقائي الذين كنت أظن أنهم «عفشين» ليسوا عفشين أبداً بل غاية في «الذرابة»! كنت في طريقي للعشاء معهم، فأخذت أسترجع اتفاق الإذعان بيننا، وأهم مواده: الاصرار على الفكاهة، وأن لا محل للجد والمجاملات في جلستنا. ومن القواعد الغريبة الخارجة عن ثقافة شريحة عريضة من مجتمعنا «لا» نافية قاطعة مانعة للعب البلوت، و«لا» أشدّ من الأولى للتلفزيون فلا مكان له بيننا،إننا نقضي أوقاتاً طويلة سوياً دون أن نعرف بعضنا جيداً بما يتناسب مع الأوقات المديدة، فهل نتشاغل عن بعضنا بعضاً بالتلفزيون والبلوت والجوال والشيشة؟ أم أنها مجرد أدوات مساعدة؟ولا زلت أذكر كيف لم يوافقوا على منحي استثناءً متابعة المباراة التي توج فيها الفتح  بطلاً، و«لا» للتحدث في الجوال ولا حتى تقليب الرسائل، و«لا» للأحاديث الجانبية! أكاد أتصور بعض تعليقاتكم، لكني أصدقكم القول أن الوقت النوعي معهم متميز، بمعنى أننا نذهب فنتحدث ونسمع بعضنا. وأنا في طريقي إلى أصدقائي خطر ببالي بعض المجموعات التي  لاتقوم بعمل شيء سوى لعب البلوت؛ لا أسمع لا أرى ولا أتكلم..ألعب بلوت وبس، قهوة وراء قهوة، ويوم وراء يوم، وسنة تتبع سنة، ليس مهماً أي شيء عن الشخص سوى إجادته للعب الورق، بل أن بعضهم قد لا يعرف الاسم الكامل لشخص اجتمع معه على موائد البلوت سنوات طوالاً! وانتقل ذهني لشلل «الشيشة»، وهيكليتها النمطية أن تستأجر مجموعة استراحة أو حتى شقة عزابية وتُؤثث بتلفزيون أو أكثر وعدد كبير من «الشيش»، ثم تتفرع أنشطتها: إما شيش وبس، أو شيشة وسواليف، أو شيش وبلوت. الأمر المزعج هو أنك تخرج من البيت وتقول للوالدة أم لأم العيال: رايح عند الشباب. طبعاً سيظن الظانون أنك ستتجاذب مع «الشباب» أطراف الحديث المازح أو الجاد، ولن يخطر ببال أحد أنك تذهب لتصمت ولترفع نَفَس وتنزل آخر، أو أن تقضي الليل: شايب، ولد، بنت، عشرة، إكه، حكم، صن! لست ضد البلوت، رغم أني انقطعت عنها بسبب هوشة أصدقاء أيام الجامعة انقلبت لعراك لأرى أمامي صديقين حميمين يدميان بعضهما البعض؛ بسبب «تمريرة غلط». ما أقوله: إننا نقضي أوقاتاً طويلة سوياً دون أن نعرف بعضنا جيداً بما يتناسب مع الأوقات المديدة، فهل نتشاغل عن بعضنا بعضاً بالتلفزيون والبلوت والجوال والشيشة؟ أم أنها مجرد أدوات مساعدة؟ منا من يأخذ إجازاة ليلعب بيلوت فقط، وقد نهيكل الشلل في العمل حول منظومة «الأربعة»، ونذهب لأطراف الدنيا فما أن نصل إلى مقصدنا حتى نبحث في «النت» عن محلات الشيشة والمعسل والهوكا! وصلت لأصدقائي «العفشين» فصافحت كلاً منهم بحرارة وسط استغرابهم وكأني أقول لكل منهم: شكراً فليس ثمة ما يشغلنا عن قضاء ساعة صفاء سوياً، لا بلوت ولاشيشة.