د. فالح العجمي

يا من اشترى له من حلاله علة!

حكيت لصاحبي قصة الاشتراك في شركة الاتصالات لخدمات الانترنت بواسطة الواي ماكس، التي أردت منها خدمة تسهل علي استخدام أجهزتي في التواصل بالانترنت، لبعض شؤون الحياة الرسمية والخاصة. لكن تلك الخدمة والأجهزة والشبكة، التي تستخدمها تلك الشركة قد أصبحت عبئاً عليّ في وقتي وجهدي وأعصابي؛ إذ لم أستفد من خدمتها إلا ساعات في اليوم الأول، وإذا بها تنقلب بعد ذلك إلى شغل شاغل. أنقل الجهاز الذي اشتريته منهم إلى مكتبهم المجاور لمسكني، فيرد ذلك المكتب، بأن وظيفتهم تتوقف عند البيع، أما الأمور الفنية والأعطال، أو عدم وجود خدمة الاتصال بالشبكة من الأصل فتتبع إلى قسم آخر يُعنى بهذه الأمور.هل ينطبق يا صاحبي على هذه الحالة المثل القائل: يا من اشترى له من حلاله علة؟ قال: طبعاً ينطبق؛ لكنك هنا تتناسى أن الأصل في تعامل الناس في هذه الثقافة هو هذا المستوى. فحقك لا يصل إليك إلا إن كانوا يخافون منك، أو يرغبون في شيء منك؛ وأنت في تلك الحال لا هذه ولا تلك!فكل متضرر من سوء الخدمة عليه أن يتصل بالأرقام الهاتفية، التي نزود بها من يحتاج إلى الدعم الفني. وفي هذا المسلسل يبدأ عناء لا ينتهي؛ الأرقام تحيلك إلى الرد الآلي، وأجهزة الرد الآلي هذه تطلب منك رقماً لكل نوع من الخدمات، ليصل بك الأمر إلى أكثر من عشرين دقيقة تحمل فيها الهاتف، وتسمع إلى تلك التعليمات الالكترونية. وما أن يرد عليك شخص من نوع البشر، حتى يسألك في تحقيقات فنية عن أجهزتك وأرقام الهاتف الثابت ومعلوماتك الشخصية، وجغرافية تخص موقعك وجهة التغطية وموقع الجهاز، إلى آخر تلك الأسئلة التفصيلية. ثم تفاجأ بأنه لا يقدم أي خدمة، وأنه ليس من الفنيين أصلاً، وتبدأ رحلة البحث عن الفنيين، لتكون أوقات دوامهم مختلفة عن تلك التي تضعها الشركة في الرد لخدمة الدعم الفني، والادعاء بأنها طوال أربع وعشرين ساعة. تفاجئك الحلول المقترحة، بأن عليك أن تدون بلاغاً إلكترونياً، وتسجل رقمه، لتراجع بهذا الرقم في كل تعاملاتك مع خدمة الدعم الفني، التي ستغيب نظراً لاقترابنا من نهاية الأسبوع لمدة يومين. ثم إن أولئك الفنيين مطالبون بالرد عليك بعد ما لا يقل عن 48 ساعة (ووقت البيع كانت فيما لا يزيد عن 24 ساعة). مسلسل هندي استغرق أسبوعاً لخدمة تحسب بالأيام، وليتها بعد ذلك الأسبوع حُلّت! بل اكتشفوا أن جهازهم غير صالح للاستخدام، فاستبدلوا به آخر؛ لكن البديل لم يشتغل أيضاً كما ينبغي، ليعود الأمر كما كان، ومطاردة الفنيين وإدخال البلاغ، ومتابعة الأمر بالبلاغ ... ليل الصبّ ما أطوله! وبعد أسبوع آخر شبيه بالأول، عدت إلى مركزهم الفني، وحكيت لهم الكارثة، وأني أصبحت أسير أجهزتهم، وأشتغل لهم، بدلاً من أن يشتغل لي الجهاز. والخدمة الشهرية ذهب نصفها دون فائدة، بل وبتضييع جهودي وأعصابي وأوقاتي. هذه المرة أعادوا برمجة الجهاز الجديد، لكن الأمر بقي كما كان. فهل يحق لأي مؤسسة أن تستنزف جهد العميل بهذه الصورة، حتى وإن كانت ستعامله بلطف، وتنظر فيما يطلبه منها؟  وهل ينطبق يا صاحبي على هذه الحالة المثل القائل: يا من اشترى له من حلاله علة؟ قال: طبعاً ينطبق؛ لكنك هنا تتناسى أن الأصل في تعامل الناس في هذه الثقافة هو هذا المستوى. فحقك لا يصل إليك إلا إن كانوا يخافون منك، أو يرغبون في شيء منك؛ وأنت في تلك الحال لا هذه ولا تلك! فقد اخترت من عندهم خدمة مدفوعة مسبقاً، ولأنهم قد أخذوا حقهم كاملاً، فإنهم لا يعيرون اهتماماً لما بقي من تفصيلات. فلم يعودوا بحاجتك في هذا الأمر، ولا يوجد قوانين تفرض عليهم التزامات نتيجة ما وقعوا معك من عقود. أما أمر عودة الزبون إليهم لاحقاً، فإنهم يرون أنفسهم في حلّ من التفكير فيها، لأن كل طاقم لا يفكر إلا في كيفية الانتهاء من الوقت المخصص لعمله. ولا توجد – في الغالب – فلسفة لطريقة احتفاظ المؤسسة بالمتعاملين معها لفترات طويلة، أو حثهم على الولاء لمنتجاتها من خلال تنافسية الجودة والأسعار وخدمات ما بعد البيع. لكنها يا صاحبي حلقات متصلة؛ فمن يهتم بالتفصيلات، وأدق الأمور المتعلقة بعمله ومصالح المؤسسة التي يعمل بها، أو البلد الذي  يعيش فيه ، فإنه سيفكر باستمرار في شمولية المسألة، أو الإجراءات الكبرى والخطوط العريضة المتعلقة بمنتجه، أو الشأن الذي يمسه في عمله وممارساته اليومية، أو ما يسمونها «macor processes». لكن هل يهتم أحد باتصال تلك الحلقات؟ أشك في ذلك .. ولذلك قالوا: سددوا وقاربوا!