د. ابراهيم العثيمين

بواعث الغزل الأمريكي مع طهران

منذ ما يزيد عن ثلاثة عقود وتاريخ العلاقة بين واشنطن وطهران هو تاريخ صراع ومواجهة، تتراوح فصولها من أزمة الرهائن، مرورا بحرب الخليج الاولى (الحرب الإيرانية - العراقية) وانتهاء بأزمة الملف النووي الإيراني، كل هذا في إطار الصراع على إقليم الخليج والهيمنة على الشرق الأوسط‮.‬ ولم يسهم تغير القيادات في البلدين،‮ ‬على مدى العقود الثلاثة،‮ ‬في إحداث أي تحول في هذا المسار مما أسهم في عدم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط والعالم ككل‮. الا ان الأحداث الأخيرة بداية لقاء وزير الخارجية الأميركي جون كيري بنظيره الايراني محمد جواد ظريف بنيويورك على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة ومرورا بالحديث عن إمكان حصول مصافحة بين الرئيس الامريكي أوباما والرئيس الايراني روحاني على هامش الاجتماع وانتهاء بالاتصال التاريخي والذي هو الاول منذ الثورة الايرانية عام 1979 بين الرئيسين اثارت تساؤلات عدة عن اسباب هذا التقارب الامريكي مع ايران . والمستقرأ للتوجه العام للسياسة الخارجية الامريكية يمكن الخروج بأربعة اسباب رئيسية:1. العودة للتفاوض على وثيقة  طهران 2003. فبعد اقل من شهر على احتلال بغداد، قدمت طهران عرضا مغريا إلى الولايات المتحدة عن طريق السفير السويسري في طهران، الذي ترعى سفارته المصالح الأميركية، تتعهد فيه بوقف الدعم عن كل من حماس والجهاد الاسلامي والضغط على الحركتين لوقف هجماتهما على إسرائيل ودعم عملية السلام في الشرق الاوسط وكذلك وقف الدعم عن حزب الله في لبنان والضغط عليه لنزع سلاحة وتحويلة الى حزب سياسي محض مقابل الاعتراف بإيران كفاعل اقليمي في المنطقة ورفعه من قائمة محور الشر. الا ان ادراة بوش رفضت هذا العرض وتم معاتبة السفير السويسري في طهران. كان هذا الرفض من قبل امريكا سببا في التحول في سياسة ايران الخارجية من التفاوض والتعاون الى المواجهة. فيمكن القول ان هذا التقارب هو محاولة لاستعادة العرض الايراني الذي قدم في فترة ادارة بوش وقوبل بالرفض.2. عقيدة اوباما الشرق اوسطية إن العقيدة السياسية التي ينطلق منها الرئيس الأمريكي أوباما أو ما يمكن أن يطلق عليها  (Obama Doctrine) تؤكد على مبدأ إنهاء الحروب والصراعات واعتماد مبدأ التفاوض والتعاون بدلا من المواجهة والأحادية في الشؤون الدولية. كان ذلك واضحا في كثير من القضايا ابتدأ من الانسحاب الأمريكي من العراق مرورا باعلان أوباما الانسحاب التدريجي للقوات الأمريكية من أفغانستان مع نهاية 2014 وتحويل قيادة العمليات العسكرية إلى القوات الأمنية الأفغانية. وكذلك انتهاج أسلوب الدبلوماسية والقوة الناعمة فيما يختص بالملف النووي الإيراني. وانتهاء بالملف السوري الذي انتهج فيه منذ بداية الثورة السورية مبدأ سياسة التدخل الناعم من خلال الضغط على النظام السوري وتقديم دعم للمعارضة دون التورط العسكري المباشر. وحتى بعد استخدام قوات النظام السوري للسلاح الكيماوي في الغوطة الشرقية بريف دمشق تحت أعين المراقبين الدوليين وتهديد اوباما بالقيام بعمل عسكري درعي ضد دمشق جاءت المبادرة الروسية لتعيد السياسة الأمريكية إلى مسارها الطبيعي من الصراع. فالتمدد والتغلغل الايراني  في كثير من هذه الملفات سواء بصورة مباشرة كما يحدث في سوريا وخاصة منذ الثورة او في لبنان عبر حزب الله او العراق خاصة بعد حرب  2003او بصورة غير مباشرة عبر شبكات التجسس في اليمن ودول الخليج . . وبالتالي واشنطن تريد التقارب مع ايران لتسوية كثير من الملفات العالقة. 3. إستراتيجية أمريكا الجديدة والتركيز على منطقة آسيا والمحيط الهاديففي  مطلع 2012 اعلن اوباما  استراتيجيته الجديدة وذلك بنقل الاهتمام الأمريكي إلى منطقة آسيا والمحيط الهادي بعد عشر سنوات من الحرب الأمريكية على أفغانستان والعراق. وهو ما أكدته وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري كلينتون في مجلة «فورين بوليسي» أن مستقبل السياسة الأمريكية سيتحدد في آسيا والمحيط الهادي، لا في أفغانستان والعراق. وهو كذلك ما أكده وزير الدفاع الأمريكي السابق، ليون بانيتا  بأن الولايات المتحدة تستعد بحلول عام 2020 إلى إعادة نشر أكثر من 60 في المائة  من أسطولها البحري الحربي في منطقة آسيا والمحيط الهادي. فبحسب كثير من المحللين والمراقبين يرون أن إستراتيجية أمريكا الجديدة هي التركيز على منطقة اسيا والمحيط الهادي في محاولة لمحاصرة صعود الصين. وكما ذكرت في مقالات سابقة ان الاقتصاد الصيني بعد ما يقارب عقد أو عقدين من الزمن سيكون أكبر اقتصاد في العالم مما قد يهدد السيادة الأمريكية على الاقتصاد الدولي. ففي حين  لم يكن الاقتصاد الصيني يتجاوز 6 % من حجم الاقتصاد الأمريكي في مطلع الستينات أصبح الآن يتجاوز 50% من حجم الاقتصاد في الولايات المتحدة، الأمر الذي قد يمثل تهديدا كبيرا في طبيعة النظام الدولي وإشارة إلى الانتقال لعالم متعدد الأقطاب.4. الأزمة المالية ومسار التقارب   تواجه إدارة أوباما وضعًا داخليًا بالغ التعقيد، جراء توابع الأزمة المالية المتمخضة عن الخلاف بين إدارته والكونجرس على الموازنة. ويرى كثير من المحللين ان هذه الازمة التي تمر بها أمريكا حاليا، وإصابة الحكومة الفيدرالية بالشلل، ستدفعها إلى تحسين علاقاتها مع إيران لسد عجزها المالي. فقد قدر مركز (IHS Global Insight) العالمي المتخصص بدراسة ومراقبة أداء الاقتصاديات العالمية أن الولايات المتحدة تخسر 12.5 مليون دولار كل ساعة، أي 300 مليون دولار يوميًا، وذلك منذ الأول من أكتوبر 2013، أي منذ أغلقت الحكومة الفدرالية الأمريكية بعض مكاتبها وأوقفت أنشطتها غير الرئيسية، وأعادت 800 ألف موظف فدرالي إلى منازلهم. اضافه الى ذلك فقد أعلن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية والمسئول عن تطبيق العقوبات التجارية والاقتصادية المفروضة على ايران وسوريا أنه لن يستطيع القيام بكل مهامه نظرا لتخفيض عدد العاملين بالمكتب بسبب عجز تمويل الحكومة الأمريكية بعد رفض الكونجرس تمرير موازنة العام المالي الجديد.