هناء مكي

المتاجرة في حملات الحج

منذ بناء الكعبة المشرفة أصبحت مكاناً نشطاً لتلاقي الناس حتى قبل الإسلام فقد كانت دعوة مستجابة من نبي الله إبراهيم «فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ» سورة إبراهيم، وفي الجاهلية حين انتشرت الوثنية ووضعت الأصنام في باطنها لم ينقطع الحجاج، واستمرت مواسم الحج ينشط فيها تجار قريش والكثير منهم كانوا يعتمدون على هذا الموسم للعيش بحصاده طيلة العام، إذ يأتيها الناس من كل فج عميق ومن مختلف الأديان, الكل يأتي ليمارس عبادته تحت ظل الكعبة، فكانت مناسبة عظيمة لتسويق البضائع التي يرتفع سعرها بالطبع فهذه فرصة لا يمكن أن تفوت بالذات وأن الدين كان أشبه بتجارة صنعت اسماً تجارياً لساكني البقعة المقدسة آنذاك.مع الإسلام والفتوحات كان الحج فرض عين، وممارسة عبادية واجبة على المقتدرين، فكان التاجر في ذلك الوقت حر يسعر بضائعه وفقاً لمزاجه ووضعه فلا أحد يحاسبه إلا ضميره وذمته، ولكن بالطبع هناك سقف للارتفاع قد يؤدي للشكوى ضده عند قاضي المدينة، وفي موسم الحج كان أغلب التجار المسلمين يضع وقفاً لخدمة الحاج لكسب الأجر أو يخفض سعر سلعه قربة إلى الله، لا ننفي وجود منتفعين من مسلمين جشعين أو اليهود من أهل الذمة وغيرهم.في وقتنا الحالي لايزال التاجر حرا في وضع الأسعار وان كان تنظيم أسس التجارة بات واجباً بعد انكشافنا على العالم الخارجي وآلية مراقبة الأسعار أمراً ملحاً، والمؤسف أن الحج اليوم موسم للربح، بعد أن جعل الله سبحانه الحج واجباً على من استطاع إليه سبيلا و»استطاع» تشمل الناحية المادية، نرى التاجر يتخذه فرصة لرفع الأسعار بطريقة تعجيزية، فحملات الحج الباهظة وصلت أسعارها حتى لألفيّ دينار هذا العام، وأسعارها تغلي كالمرجل وأصحاب الحملات يتعللون بارتفاع أسعار الخدمات التي يوفرونها فالسكن ارتفع سعره بصورة كبيرة بعد عمليات التوسعة الأخيرة للحرم، كما أنهم يقومون بحجز السكن طيلة العام لضمانه وبالطبع الفارق يتحمله الحاج، وأسعار الأكل والمواصلات مرتفعة هي الأخرى.الشيء الغريب بالفعل أن حتى حملات الحج السعودية مرتفعة وأسعارها تصل إلى 20000 ريال إن لم يكن أكثر في حال اختلفت المواصلات، رغم تطبيق برنامج الحج المنخفض ما يشي بمشكلة يجب معالجتها.لا يعلم أصحاب الحملات أن كثيرا من الأفراد يقومون بادخار أموالهم حتى تتسنى لهم فرصة الحج وزيارة بيت الله، ويكون ذلك بمثابة الحلم، لا يدركون أنهم يجهضون حلم الفقراء ويدنسون طهر هذه العبادة.وعلى وزارة الحج في المملكة -مع تقديرنا لجهودها- مراقبة الحملات والعمل على تخفيض أسعار الخدمات من إيجار السكن إلى أسعار المطاعم والمواصلات والاضحيات والخيم وغيرها، فهي أكثر من يتحمل هذا الواجب.