طريق الحرير .. ديجيتال !
طريق الحرير، ممر تجاري يربط غرب آسيا بشواطئ البحر الأبيض المتوسط ومنه لبقية بقاع العالم المعروف قديماً؛ ولم يكن استخدامه يقتصر على المبادلات التجارية بل كان معبراً للأنشطة الدينية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية على حدّ سواء. وكان للممرّ من اسمه نصيب؛ إذ كانت تجارة الحرير القادمة من الصين تشكل السلعة الرائجة، لكنها لم تحتكر تلك السلعةُ الممرَ قط. ورغم قدم الممرّ الذي استخدم قبل الميلاد وتناوب الدول وتنافس القوى القديمة للسيطرة عليه، إلا أن نشاط التجار العرب والمسلمين أصبح بارزاً في الحقب المتقدمة فقد شكل هذا المعبر جسراً يمزج بين التجارة والثقافة ويؤالف بين الحضارات كما كان له الدور الأهم في نقل التقنية ونشر المعرفة عبر العصور. وليس القصد اليوم أن أحدثكم عن «طريق الحرير» التقليدي أو الحقيقي، بل عن النسخة الالكترونية التي سميت «طريق الحرير» زوراً وبهتاناً. اما «طريق الحرير-ديجيتال» فعبارة عن سوق سوداء للتجارة الالكترونية، وعادة ما تستخدم هذه السوق للتجارةهناك من يُميز بين الأداة ومستخدميها؛ فالشبكة المجهولة قد تُستخدم للتنوير أو للتدمير، أما مَنّ سيقوم بذلك فليس نظام «تار» بل التطبيقات البرمجية التي توظفه للخير أو للشر. أما مؤسس «سوق الحرير-ديجيتال» فيقبع حالياً خلف القضبان بانتظار محاكمتهغير المشروعة من مخدرات وسلاح وسواهما. لماذا يسمح بها؟ طريق الحرير الديجيتال ما كان ليوجد لولا توفر بنية تحتية جهنمية، وهي عبارة عن خدمة «تار» الخفية، وهي أداة للولوج للانترنت دون أن يستطيع أحد اقتفاء الأثر. وفي حين أن سوق الحرير الحقيقية مكثت قروناً طويلة تسير التجارة وتسهل التنقل والعبور لشتى الأغراض، فعُمْرّ سوق «طريق الحرير-ديجيتال» قصير، فقد انطلقت في فبراير 2011 وما لبث إلا أن أطاح بها مكتب التحقيقات الفدرالية قبل أيام (في 2 أكتوبر 2013 ). ما يحدث في عالم الانترنت يدعو للاستغراب بالفعل، لأسباب عدة لعل أحدها أن «تار» أو الشبكة المجهولة طورت بتمويل من الحكومة الأمريكية من خلال مشروع انطلق قبل نحو عشر سنوات في معامل البحرية الأمريكية، وحالياً فإن نحو 80 بالمائة من التمويل يأتي من مؤسسات بحثية مرموقة ضمن الحكومة الأمريكية مثل المؤسسة الوطنية للعلوم، أما المشروع فليس حكومياً بل تقوم عليه مؤسسة نفع عام مرخصة ومقرها الولايات المتحدة. وقد حصل مشروع «تار» على جوائر علمية ذات وزن منها جائزة مؤسسة البرمجيات المجانية، وبالقطع لم تمنح الجوائز لـ»تار» للكيفية التي استخدمه بها تجار السوق السوداء، بل لما أتاحه من حرية للاطلاع والتعبير لنحو 36 مليون شخص حول العالم تحجب عنهم الانترنت أو وسائل التواصل الاجتماعي. إذاً، هناك من يُميز بين الأداة ومستخدميها؛ فالشبكة المجهولة قد تُستخدم للتنوير أو للتدمير، أما مَنّ سيقوم بذلك فليس نظام «تار» بل التطبيقات البرمجية التي توظفه للخير أو للشر. أما مؤسس «سوق الحرير-ديجيتال» فيقبع حالياً خلف القضبان بانتظار محاكمته.