الفقر .. حين يكون ظاهرة
اتخذت الأمم المتحدة السابع عشر من شهر أكتوبر منذ العام 1993 يوماً عالمياً لمحاربة الفقر، وقامت في 2008 بإقرار موضوع «تحقيق العمالة الكاملة وتوفير العمل الكريم» كعقد للقضاء على الفقر يمتد حتى 2017، فهي تؤمن بأن العمل هو أفضل حل لعلاج الفقر بكل أنواعه وإن اختلف تعريفه.الفقر كمفهوم يعني العوز وضيق ذات اليد، وقد يختلف تعريفه بالنظر إلى نسبته ومنسوبه ويؤثر بالتالي على مفهومه في مجتمعات وبيئات مختلفة، فما نراه نحن فقرا بسبب عدم التمكن من تلبية الاحتياجات الثانوية لأي فرد، قد يكون ترفا لبعض الأفراد، وفيما هناك من يحصل على لقمة عيش تسد جوعه هناك من لا يجد ما يأكله لنفسه وعياله، لذا فان المفهوم الذي بينه البنك الدولي لخط الفقر وللفقر المدقع إنما هي تعريفات قد تعجز عن تبيان حقيقة الفقر في بعض المجتمعات، ولا يمكن إدراكها أو فهمها الفهم الصحيح.لا نغفل سر التحولات الاجتماعية والسياسية على الاقتصاد المسئول الأول عن ظاهرة الفقر في العالم، ولنا في العراق مثال تلك البلاد النفطية الغنية التي تتميز دون باقي الدول الخليجية بأن باطنها وظاهرها غني، فهي تتمتع بتربة خصبة مع وجود نهري دجلة والفرات على أرضها. كما تتميز بعقول بشرية عالية برزت منذ مجد الحضارة في ربوعها فاهتمت بالتعليم، بالإضافة إلى آبار النفط تحت أراضيها. فقد تميزت هذه الدولة بغنى كبير جعل منها مطمعا للكثير من الشباب العربي الذين يبحثون عن أعمال تكفيهم العوز، فكانت قبلة العاملين إليها حتى انقلب حالها فباتت من أكثر البلدان العربية فقرا رغم آبار النفط الفائضة ومزارعها وأنهارها.أورثها ذلك الحال النقيض تماما عما كانت عليه، فقد بدأت العقول البشرية في الهجرة، وانخفض مستوى التعليم والخدمات الأخرى، وبات أكثر الشباب عبأ على الدولة بدلا من أن يكون عونا لها، لانعدام الوظائف. فالقطاع الخاص لا يوجد له تمثيل تقريبا لعدم وجود استثمارات أجنبية أو حتى وطنية حقيقية بخلاف مشاريع الدولة في البنى التحتية التي تتعرض لنكبات،في حين تحولت الدول الخليجية من دول فقيرة إلى دول مصدرة للنفط ما أكسبها قيمة اقتصادية، جعلت العالم ينظر لها على أنها دول غنية، وباتت محطة جذب للعامل العربي وحتى الأجنبي، بيد أنها لاتزال تفتقر للأداء الصحيح لمحو الفقر من أوطانها يشابه ما قامت به منذ عقود بمحو الأمية.رغم أن دولنا الخليجية تتبنى برامج اجتماعية لمساعدة الأسر المعوزة، إلا أنها لم تؤمن مشاريع كتلك التي تتبناها الأمم المتحدة أو البنك الدولي، متخذة من المثل «لا تعطني سمكا، بل علمني كيف اصطاد» بتوفير وظائف وأجور تساهم في القضاء على ظاهرة الفقر التي بدأنا نراها تنتشر في مجتمعاتنا.