خليل الفزيع

الشكاوى الكيدية.. وضعـاف النفوس

كثيرة هي تلك الحكايات التراثية التي حفلت بها كتب العرب ومصنفاتهم المخطوطة، وحملت بين طياتها ألوانًا عجيبة من الشكاوى الكيدية التي لا تعتمد على أساس، ولا تعبّر إلا عن رغبة محتقنة في نفوس ضعيفة، لم تحتمل أحقادها الذاتية وعقدها النفسية، ففاضت بقيح قبيح الرائحة، من الشكاوى الكيدية، طال أناسًا أبرياء، ترفّعوا عن الخوض في هذا المستنقع الآسن، ورفضوا الانسياق وراء غاياته الملوثة بالخبث وسوء الطوية.والرسائل الكيدية ليست مقتصرة على الكتابة في الخفاء بعيدًا عن أعين الرقباء، كما أنها ليست مقتصرة على الرسائل السرية الخالية من هوية كاتبها، بل هي تشمل كل قول أو عمل يسيء للآخرين ويكيد لهم، ومن معاني الكيد في اللغة الخبث والمكر، وفي لسان العرب (قال الأَحفَش: الكَيْدُ من المَكِيدَة، وقد كاده مَكِيدةً. والكَيْدُ: الخُبثُ والمَكْرُ؛ كاده يَكيدهُ كَيْدًا ومَكِيدَةً، وكذلك المكايَدةُ).الشكوى الكيدية تعني تهديد سمعة وربما مستقبل وحياة أناس أبرياء، كما أنها تشغل المسؤولين وتهدر أوقاتهم في التحقق منها والتحقيق في وقائعها، وفي النهاية سينقلب ذلك الحاقد على قدميه خاسرًا كارهًا لنفسه بقدر كُرهه لغيره. وقد ارتبط الكيد بالعداوة، فالكيد من الأعداء هو الأسوأ، وقيل: إن الحرب كيد، وقيل خدعة، ولكن على مستوى عامة الناس وخاصتهم، يظل الكيد مقرونًا بالحقد، والتشفّي وحب الانتقام، وهنا تأتي الرسائل الكيدية على اختلاف أشكالها وطرق توصيلها، لتقوم بهذه المهمة المشبوهة، والمهينة لكرامة الإنسان إذا أقدم عليها، قبل إهانتها لمن نتوجّه إليه.عامل أغاظه ما يحظى به زميله من حظوة وتقدير لدى مرؤوسيه، بسبب اجتهاده ومثابرته، وحرصه على إتقان العمل وجودته، فيدفعه عجزه عن الاجتهاد والمثابرة إلى محاولة النيل من زميله المجتهد، وما هي إلا رسالة موجّهة للمسؤول، تحمل من الصفات الكاذبة والحكايات المزيفة والقرائن المختلقة، ما يضع المجتهد في دائرة الاتهام، ليناله من الجزاء بقدر ما ناله من الضيم، نتيجة شكوى كيدية ظالمة، لم يتوافر لها مسؤول منصف يُعيد الحق إلى نصابه، وفي هذا يصدق قول ابن الرومي:إذا ما الأعادِي حاولَتْ كَيْدَ صَاعِدٍ                                   غَدا يَتَعَالى والأعادِي تَوَهَّدُوآخر على خلاف مع غيره، فيتحوّل الخلاف إلى حقد دفين لا نجاة منه إلا بالكيد والإساءة ونقل صورة بشعة عن أمر ما، يُراد من ذلك كله الوصول إلى ما يُحقق غاية غير شريفة، للانتقام أو للتشفي أو لتصفية حسابات قديمة، فيتضرر بهذا السلوك مَن يتضرر، حتى تنجلي الغمّة ويظهر الحق، ويندحر مَن كان وراء هذه الشكوى الكيدية، وعندما ينكشف أمره، ينطبق عليه قول ابن الرومي أيضًا: وكل كيدٍ كِدْتَه راجعٌ                      عليك والمحدود محدودُوربما لا يعود هذا التصرف الأرعن على صاحب الشكوى الكيدية بأي فائدةٍ مباشرة، وربما عرف مقدّمًا أن انكشاف أمره قد يقضي عليه قضاء مبرمًا، ومع ذلك لا يتردد في بث هذا النوع من السموم، لتسري بين الناس سريان النار في الهشيم، المهم لديه في النهاية هو تحقيق غايةٍ خبيثةٍ هي الإضرار بغيره، والإساءة إليه، والنيل من مكانته، وإن تجاوزت هذه الشكوى معنى الشرف، وتحدّت قيمه ومُثله، ويكفي هذا السلوك سوءًا أنه يمارس في الخفاء.. كما تفعل الخفافيش عندما تعيش في الظلام.الشكوى الكيدية تعني تهديد سمعة وربما مستقبل وحياة أناس أبرياء، كما أنها تشغل المسؤولين وتهدر أوقاتهم في التحقق منها والتحقيق في وقائعها، وفي النهاية سينقلب ذلك الحاقد على قدميه خاسرًا كارهًا لنفسه بقدر كُرهه لغيره. لتظل الشكوى الكيدية هي وسيلة ضعاف النفوس للانتقام من المجتمع ومن الناس بسبب هذا الضعف والعجز عن القيام بأي عمل إيجابي ومثمر.