العصفورة وسهى الموسى
للعصافير أجنحة تحلق بها، وللإنسان أقدام يسير بها، وعيون يبصر بها طريقه، وعقل يهديه، وقد يفقد العصفور قدرته على التحليق لسبب أو آخر، ويفقد الإنسان قدرته على السير لسبب أو آخر، فقد يكون كفيفاً أو مقعداً، ولكن طالما بقي العقل يعمل والقلب ينبض فهناك أمل في حياة أفضل، ففيهما تكمن الإرادة التي ينجح بعض الناس في استخراجها وتعزيزها، ويفشل آخرون، وهذا الفشل هو الإعاقة الحقيقة ولا فرق فيها عند الإنسان السوي أو ذاك الإنسان الذي يعاني من نقص جسدي ما. من هنا كانت فكرة فيلم العصفور، الذي يحكي حكاية طفلة مقعدة وطفل كفيف اشتركا معاً في تجاوز المحنة الدائمة، التي صنعا منها سلماً يرتقيان به إلى عالم مختلف. النماذج كثيرة لهذا النوع وذاك، ولكن مقالي هذا عن أشخاص نذروا أنفسهم وطاقاتهم للعون المعنوي لمن يحتاجه من ذوي الاحتياجات الخاصة، ليس بتذليل الصعاب بطرق مختلفة فقط ولكن بإشاعة الوعي الاجتماعي لصالحهم؛ إمعاناً في الإخلاص للهدف.سهى الموسى، شابة سعودية، كتبت سيناريو ذلك الفيلم، الذي أخرجه بدر الحمود، وهو الفيلم الثاني لخدمة المكفوفين والتعريف بقدراتهم وحاجاتهم، وأولها القدرة على التحليق باتجاه الحياة والأمل، الذي يورق نجاحاً وقدرة على الحياة والاستمرار رغم الصعوبات. سهى الموسى لم تكتب السيناريو من باب الإبداع الكتابي، بل كتبته بقلم الحس الإنساني العالي والمعايشة الفعلية لمجموعة من الكفيفات تتراوح أعمارهن بين ٦- ٤٠ عاماً. فسهى شابة متفانية في عملها إلى درجة الامتزاج مع كل تفاصيلة، ربما لم يسمع بها كثير منكم؛ لأنها ممن يعمل من أجل العمل والهدف، وأهدافها سامية بسمو الإنسان الذي تكرس جهودها من أجله، وليس من أجل أن يقال إنها عملت. عرفتها في نادي رؤية للمكفوفين، الذي يشرف عليه برنامج الأمير محمد بن فهد لتنمية الشباب، وكنت وما زلت منبهرة بعطائها وإخلاصها واهتمامها بكل التفاصيل، في ناد تميز بفكرته وتميز بصدق التفاني لإنجاحها وخدمة المستفيدين منها. لا مبالغة في القول بأن سهى الموسى واحدة ممن أعطوا لبعض المكفوفات أكثر مما أعطاهن أهلهن المقربون منهن من تعزيز نفسي وخدمة معرفية دقيقة لما يحتاجنه؛ ليتمكن من التعايش مع ما يعيقهن فيحولونه من عقبة يصعب أو يستحيل تجاوزها، إلى عقبة يسهل تخطيها وتجاوزها، بقوة الإرادة والمواجهة لكل الصعوبات، بالإضافة للخدمة الترفيهية أيضاً. رأيت سهى في أول تجربة ميدانية خرج فيها الصغيرات والكبيرات، لتجربة العصا البيضاء، رأيتها كأم رؤوم للجميع، توجه وتتابع أدق التفاصيل وتتفانى في خدمتهم، ورأيتها في بعض جلسات أخرى في النادي، وكيف كان حرصها عليهم يملؤها بالطاقة والحيوية والانشغال عن أي شيء آخر سواهم، فتعمل بعقلها وقلبها ويديها ورجليها من أجلهم. بل إنها حريصة على مزيد من التعلم من أجلهم فهي ملتحقة حالياً بكورس التدخل المبكر لمساعدة الكفيف، ويعنى بتدريب الكفيف الذي دون السنة من العمر وأهله أيضاً. إلى كم سهى نحتاج، في كل ميادين العمل الإنساني لتبرأ أوجاعنا الاجتماعية، والتعليمية الموجهة لفئات خاصة من أبناء المجتمع. إلى كم سهى نحتاج، في معاهد النور ومدارس الصم وبخاصة لمن فقدوا اهتمام أسرهم في خصوصية أحوالهم، واحتياجاتهم الجسدية والنفسية والفكرية.نحتاج لكثيرات، ولعل الأيام القادمة تصوغ قدراتهن من أجل العطاء الإنساني الراقي، الذي يفوق بمراحل كبيرة، حدود الراتب الشهري.لعل الوعي الذي تبثه تلك الأفلام القصيرة، يسهم في تقديمهن للحياة والعطاء.