اليوم الوطني وقراءة للمسار التأسيسي
احتفلت المملكة العربية السعودية يوم الاثنين الماضي 18 ذي القعدة الموافق 23 سبتمبر بمرور 83 سنة على توحيدها على يد المغفور له بإذن الله الملك عبدالعزيز. ففي مثل هذا اليوم من سنه 1351وبعد قرابة الثلاثين عام من المعارك والحروب التي خاضها الملك عبدالعزيز في سبيل توحيد أجزاء الجزيرة العربية بأكملها من الشرق الى الغرب ومن الشمال الى الجنوب صدر مرسوم ملكي بتوحيد كل اجزاء الدولة السعودية الحديثة تحت اسم المملكة العربية السعودية، واختار الملك عبدالعزيز يوم الخميس الموافق 21 جمادى الاولى من نفس العام الموافق 23 سبتمبر 1932 يومًا لإعلان قيام المملكة العربية السعودية. لفهم أعماق المسار التأسيسي للمملكة العربية السعودية وبشكل أفضل فلا بد من وضعه في سياقه التطوري وذلك من خلال تميزنا بين ثلاث مراحل اساسية: مرحلة بناء الامة، مرحلة بناء الدولة، ثم مرحلة تكوين النظام السياسي. أولًا: مرحلة بناء الأمة:تعد نظرية بناء الأمة (Nation-Building) إحدى النظريات السياسية- الاجتماعية المعروفة في أدبيات التنمية السياسية التي تتناول جانبًا مهمًا من عملية الاندماج والانصهار السياسي والاجتماعي، ذلك الدمج الاجتماعي المتعلق بالأقليات (الأصيلة). يقول كارل دويتش، المفكر السياسي الامريكى المعروف ومؤلف كتاب (تحليل العلاقات الدولية) وصاحب نظرية مجتمعات الامن «ان الانصهار الوطني يعتبر من قبل جميع دارسي العلوم السياسية والاجتماعية الخطوة الأولى في بناء الدولة». ففي كتابة القومية وبديلاتها يقول دويتش إن فكرة الاتصال الاجتماعي بين أفراد المجتمع الكلي بكافة أجزائه ومكوناته وهياكله يعتبر حجر الأساس لتحقيق الانصهار الاجتماعي ومن ثم السياسي. وعليه فقد تمكن الملك عبدالعزيز بذكائه وفطنته من انجاح تجربة الانصهار الاجتماعي وبالتالي تحقيق الانصهار الوطني من خلال تبنيه لسياسيات التوحيد الاجتماعي بين أطراف شعب الدولة سواء كان ذلك من خلال سياسات التوطين أو التوظيف والتغلغل الحكومي جنبًا إلى جنب مع تبني سياسات التعليم والاتصال الجماهيري والمواصلات اللازمة لتحقيق هذا الهدف. اذ استطاع بجهوده المميزة (نزع القبلي من قبيلته) وتوجيه شعور انتمائه وولائه الوطني للقيادة المركزية. واتسمت سياسيًا بتوحيد الشعور الوطني خلف قيادة الملك عبدالعزيز وهي ما تسمى بالاعتراف السياسي الشامل وإنهاء أزمة الذات والشرعية.تمكن الملك عبدالعزيز بذكائه وفطنته من انجاح تجربة الانصهار الاجتماعي وبالتالي تحقيق الانصهار الوطني من خلال تبنيه لسياسيات التوحيد الاجتماعي بين أطراف شعب الدولة سواء كان ذلك من خلال سياسات التوطين أو التوظيف والتغلغل الحكومي جنبًا إلى جنب مع تبني سياسات التعليم والاتصال الجماهيري والمواصلات اللازمة لتحقيق هذا الهدف. ثانيًا: مرحلة بناء الدولة: ولكي تكرس مفهوم الأمة فلا بد من تعميق دور الدولة. يقول فرانسيس فوكوياما في كتابه «بناء الدولة الحكم والنظام العالمي في القرن الواحد والعشرين» إن المقصود ببناء الدولة هو إنشاء مؤسسات حكومية جديدة وتقوية الموجود منها. ويرى فوكوياما أن جوهر الدولة هو في مقدرتها على فرض قرارها بالقوة. هذه القوة هي التي تسمى الآن بـ»القوة المؤسسية». والدول تختلف في مقدار قوتها أو ضعفها بالنسبة للمؤسسات التي تمثل هذه القوة. ففي مرحلة التأسيس استطاع الملك عبدالعزيز من إعطاء دور هام للمؤسسات وذلك من خلال بناء وتطوير مؤسسات الدولة السيادية خاصة ذات الطبيعية التشريعية والتنفيذية فمن وزارة واحدة عام 1351 إلى تسع وزارات عام 1352. فقد اتسم النظام السياسي بوجود توازن حقيقي بين السياسة والإدارة حيث نمت في ظلها مؤسسات الادارة والتنفيذ ( الجهاز البيروقراطي والشرطة والجيش) بدرجة تفوق كثيرًا معدلات التطور المعروفة في الدول الاخرى. كما قامت اجهزة الدولة بالتغلغل في مختلف اوجه النشاطات الاجتماعية والاقتصادية، من ثم محاولة تنظيم جميع الهيئات والمؤسسات الواسطة من خلال اساليب قانونية ومالية متعددة. وكانت إحدى العوامل الهامة التي مكنت النظام السياسي السعودي من تحقيق ذلك ومن توفير درجة عالية من الاستقرار هو الشخصية السياسية الكاريزمية للملك عبدالعزيز. ثالثًا: مرحلة تكوين النظام السياسي:اتسمت هذه المرحلة بعدد هائل من التحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. فقد تم خلالها التركيز على عملية المشاركة في مراحل صناعة القرار من قبل القوى الوطنية المثقفة وتأكيد دور سياسة النفوذ والتأثير في رسم السياسات الوطنية، وتأكيد سياسة التخطيط السليم لتنمية المجتمع السعودي ورفعت شعارات المسؤولية الوطنية وتم التحول من سياسة المركزية المنظمة الى تعددية القنوات لصناعة القرار في الدولة. ولعل لي وقفه في مقالي القادم أمام تفصيل لهذه المرحلة عند التطرق الى المسار الدستوري والمشاركة الشعبية.وبالتالي وكما يقول الدكتور عبدالله العسكر رئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الشورى»بناء الدولة السعودية الحديثة على يد الملك عبدالعزيز لم يأتِ بضربة حظ أو في غفلة من الزمن، وكل المعطيات التاريخية تقول إنه تم ببصيرة نافذة، وجهد متزن وفعال». ما أردت الحديث عنه في هذا المقاله والمقالات القادمة بإذن الله تعالى وخاصة في ظل هذه التحولات الخطيرة التي تعصف بالمنطقة العربية بعد ما عرف بـ»الربيع العربي» أو ما أسميه بالشتاء العربي في ظل هذه الفوضى التي تعم بالمنطقة وتحاصر منطقة الخليج هو الوقوف أمام هذا المنجز السياسي للمملكة العربية السعودية والتذكير به والذي غالبًا ما يغفل أمام المنجزات الاقتصادية والاجتماعية التي أنجزتها المملكة. هذا المنجز السياسي الذي غاب أو غيب في أذهان كثير ممن يحاولون إسقاط نماذج غربية جاهزة دون وعي حقيقي بالمشهد السياسي السعودي وتفاصيل الحالة السعودية.