أدب وسباكة
في الذاكرة بقايا قصة انجليزية سأحاول لملمة أشلائها ونقلها بشيء من التصرف، هي قصة السيد (همبل)، وكان أميا يعمل فرّاش مدرسة. كان مواظبا وموضع تقدير الجميع. وذات يوم عيَّنت إدارة التعليم مديرا جديدا. وبعض المدراء مهووسون بتغيير أي شيء، حتى الأشياء التي لا داعي لتغييرها. بعضهم لا يؤمن بالمثل القائل: «إذا لم يكن الإناء مكسورا فلا تصلحه»! فرض المدير الجديد على الجميع توقيع أسمائهم حضورا وانصرافا، ولمَّا لم يجد توقيع الفراش استدعاه، وسأله عن سبب امتناعه عن التوقيع، فقال همبل: «لأني أميٌّ يا سيدي». قال المدير : «هذه مؤسسة علمية، ولا ينبغي أن يكون بين منسوبيها أمي واحد». وفُصل همبل، فعاد إلى بيته حزينا. وكان يحب (المقانق) ويتذوقها، ففتح بمستحقاته المتواضعة محلا لبيعها. وتوسعت أعماله، فافتتح فروعا أخرى. وقصد البنك ليفتح حسابا، فاستقبله مدير البنك بحفاوة. وعندما طلب توقيعه على بعض الأوراق، ابتسم همبل قائلا : «عفوا، فأنا أميٌّ لا أعرف توقيع اسمي». دهش مدير البنك فتساءل: «السيد همبل .. رجل الأعمال الشهير لا يعرف توقيع اسمه، فماذا كنت ستصبح لو أنك تجيد القراءة والكتابة». قال همبل: «لو كنت أجيد القراءة والكتابة لكنتُ، الآن، فراشا في المدرسة»! لعل من المضحك القول: خير للمرء أن يكون أديبا وسبَّاكا من أن يكون أديبا فقط. فالأدب والعيش الرغيد لا يلتقيان إلا نادرا جدا. وإذا استثنينا الشعراء الذين ولدوا وفي فمهم لهَّايات من ذهب. فإن هنالك خصومة قديمة بين شيطان الشعر وشيطان المال.مؤكد إنَّ هذه القصة لا ترمي إلى تشجيع الأمية، ولعلها تهدف إلى تأكيد العبارة القائلة : «رب ضارة نافعة»، فإذا واجهت موقفا مماثلا فلا تبتئس. فهي ليست نهاية العالم. قد تغلق الحياة في وجهك بابا، فتنفتح أمامك أبوابٌ أخرى. وربما كانت ترمي إلى التعبير عن مفارقة غريبة في علاقة المال بالثقافة، لذلك يحرص كثير من الآباء على أن يختار أبناؤهم التخصصات التي تعادل وزنها ذهبا. تذكرت هذه الحكاية والمفارقة الغريبة في علاقة المال بالأدب، عندما اقترحت على طالبة قريبة لي «أدمنت» قراءة الروايات ودواوين الشعر أن تلتحق بعد الثانوية بأحد الأقسام الأدبية. لم أكن جادا، فقد مرت بالذاكرة قائمة طويلة من الأدباء والشعراء المتربين الذين أصابتهم حرفة الأدب من الفرنجة والعرب. ما عسى أن تصبحَ لو التحقتْ بأحد الأقسام الأدبية؟ هل ستصبح أديبة؟ لا توجد على سلّمِ وظائف القطاع العام أو الخاص وظيفةٌ بمسمى شاعر أو روائي أو ناقد. وفي مجال الأعمال الحرة، يتعذر افتتاح محل لـ «تجبير كسور الشعر العمودي»، أو معرض «لتأثيث بيت القصيد». وقد ينتهي بها الأمر إلى أن تصبح مثل الشاعر الذي أعطى إحدى المكتبات عشر نسخ من ديوانه، وبعد شهور جاء إلى المكتبة فوجدها إحدى عشرة نسخة! أما إذا كانت أعمالها الأدبية أكثر رواجا، فإن الرابح في السوق هو الناشر.. وفي ذلك يقول الشاعر غازي القصيبي: «الناشر .. والمنشار .. هل لاحظت الشَّبَه؟». قد تُعيّن، في أحسن الأحوال، معلمة قريبا من محل إقامتها، وفي أسوئها ستنفى إلى منطقة نائية، في انتظار أن ترى اسمها في قوائم حركة نقل المعلمين والمعلمات، إذا نجت مما صار يعرف بـ «حوادث المعلمات»، لذلك يمكنها أن تعشق الرواية والشعر وتكتبهما إذا شاءت، وأن تختار تخصصا «يمطر ذهبا». ولعل من المضحك القول: خير للمرء أن يكون أديبا وسبَّاكا من أن يكون أديبا فقط. فالأدب والعيش الرغيد لا يلتقيان إلا نادرا جدا. وإذا استثنينا الشعراء الذين ولدوا وفي فمهم لهَّايات من ذهب. فإن هنالك خصومة قديمة بين شيطان الشعر وشيطان المال.