خليل الفزيع

المواقع الإلكترونية.. والحرية المستباحة

استطاعت المواقع الإلكترونية أن تستقطب فئات كبيرة من أصحاب المواهب في مختلف المجالات، ووجد فيها الناشئون منبرا لإبراز مواهبهم، والتعبير عن آرائهم دون خضوعها للرقابة الصارمة التي يمارسها المسئولون في المطبوعات الورقية، تمشيا مع الأنظمة والقوانين الرسمية، التي قد يساء تفسيرها لتمسي قيدا يرسف في أغلاله كل من يتعاطى الكتابة في المطبوعات الورقية، وهذا ما يفسر تفاوت مستوى الكتابة بين مطبوعة وأخرى رغم خضوعها للأنظمة ذاتها.وحرية الممارسة في المواقع الإلكترونية ليست دائما مؤشرا إيجابيا، وهذا ما تنبه إليه بعض المسئولين عن المدونات الإلكترونية، الذين فرضوا قيودا على ما ينشر في مدوناتهم، ومراجعة ما يصلهم من كتابات جديدة، أو تعليقات على ما سبق نشره، قبل السماح بنشره، فليس كل ما يكتب ينشر، وهو شعار يترجم مقولة: (ليس كل ما يعلم يقال) وهي مقولة بدأت تتراجع أمام الانفتاح الفضائي، والمواقع الإلكترونية التي لا يخضع معظمها لأي رقابة قبل النشر، مع أن هذه الرقابة لا تذكر مقارنة بما يجري في المطبوعات الإلكترونية.استباحة حرية الرأي في المواقع الإلكترونية أصبحت من الظواهر التي لا يخطئها المتابع لما ينشر في تلك المواقع، من آراء متطرفة أو منحرفة أو مجحفة، بعضها ناتج عن حب الظهور، وبعضها لتصفية الحسابات، وبعضها للابتزاز والحصول على مكاسب شخصية معينةولا شك أن رفع سقف الرقابة في المواقع الإلكترونية، أو بمعنى أصح انعدام هذه الرقابة، أتاح لبعض الكتاب استغلال هذه الحرية في الإساءة للآخرين، دون رقيب أو حسيب، بعد أن فشلوا في تمرير آرائهم المتطرفة والاستعدائية عبر المطبوعات الورقية، وهذا الاستغلال البشع لحرية الكتابة عبر المواقع الإلكترونية لا يعني سوى سوء الاستغلال لهذه المواقع، والمقصود هنا هم من لا يقدمون رأيا صائبا، ولا سبقا إعلاميا متميزا، ولا إضافة ثقافية جادة، وكل ما في الأمر هو استغلال حرية الرأي المتاحة في تلك المواقع، لتحقيق بطولات وهمية، من خلال الإساءة للآخرين، والتشفي منهم، وأحيانا ابتزازهم لتحقيق بعض المكاسب الشخصية، ولو كانوا أكثر وعيا ورغبة في الإصلاح، لاستعانوا بالموعظة الحسنة، والحوار المباشر، والمناصحة الهادفة، بدل شن حروب وهمية هم أول ضحاياها من مقياس فكري محايد، فهم يفقدون مصداقيتهم من جهة، وثقة معارفهم من جهة أخرى، إذا قدموا فاحش القول، وسيئ الرأي، تركوا المناصحة الهادفة والقول الحسن.. بحجة حرية الرأي، وهي حرية تهدم أكثر مما تبني، شأنها في ذلك شأن السلاح الذي يضر من يستخدمه إذا كان جاهلا بأسرار استعماله، وغير حذر في التعامل معه.استباحة حرية الرأي في المواقع الإلكترونية أصبحت من الظواهر التي لا يخطئها المتابع لما ينشر في تلك المواقع، من آراء متطرفة أو منحرفة أو مجحفة، بعضها ناتج عن حب الظهور، وبعضها لتصفية الحسابات، وبعضها للابتزاز والحصول على مكاسب شخصية معينة، وليس هناك ما هو أسهل من استغلال الدين الحنيف لتبرير هذا الانحراف الفكري الواضح، وكثيرون أولئك الذي يهاجمون غيرهم، أو يتطرفون في آرائهم، أو يغالون في أفكارهم وكل ذلك باسم الدين، والدين براء مما يزعمون.بالحرف والصوت وبالصورة.. يرى المتصفح لبعض المواقع الإلكترونية العجب العجاب، وكل ما يجانب الصواب، من مقاطع مصورة، وآراء منكرة، وكتابات منزوعة التعقل، ترهقها الرغبة الجامحة في الوصول لأهداف غير بريئة، وبأساليب معوجة وطرق ملتوية، مما يتنافى مع أهداف الإصلاح التي يتشدق بها دعاة الحرية المسيئة لغيرهم، أما إذا أساءت لهم فإن تلك الحرية محرمة وممنوعة، وهذه الازدواجية تدل على انحراف في الفكر، وسوء في التقدير، فمن يحمي الناس من استغلال المواقع الإلكترونية في الإساءة لهم؟