قصص في الشحاذة
حدثني صديق فقال: أنت تعلم أني ممن يعزون الفلافل معزة خاصة لدرجة أني في يوم سبت صحوت مبكراً وأطياف حبات الفلافل الساخنة تتقافز أمامي فيما «المدام» مستغرقة في نوم عميق، فقرر عقلي التمرد على الانتظار فقصدت -على إثر ذلك- أحد مطاعم الفلافل طالباً صحناً من الحمص وأقراصاً من الفلافل وكوباً من الشاي مضافاً له النعناع الأخضر. وبعد أن انتهيت دفعت الريالات العشرة وغادرت، وفي طريقي للمنزل مررت على فرن للمعجنات، فطلبت أنواعاً بالجبن والزعتر، وما أن فرغت من الطلب وهممت بأخذ كرسي الانتظار حتى أشار لي رجل كهل عليه سمات الوقار، فذهبت إليه مهرولاً، فقال بحزم: أنا أجمع بعض المال لذوي الحاجات فإن كان لديك مبلغ تريد أن تتصدق به فهاته! وقبل أن أرد عليه خاطبه أحد العاملين: طلبك جاهز يا حاج، التفت بتلقائية لمصدر الصوت فوجدت حنقاً واضحاً على محيا الشاب، ثم التفت للرجل وقلت له بجزم: جزاك الله خيراً، ليس لدي أية مبالغ، وأخذت مقعدي..وقبل أن يغادر الرجل الفرن التفت إلي مستشهداً بالآية الكريمة»جمع مالاً وعدده» ووجهه يقطر غيظاً! ويواصل صديقي: أزعجني الرجل بطريقته، لكنني أخرجت من محفظتي خمسين ريالاً وطويتها وأعدتها لإحدى زوايا المحفظة عاقداً العزم أن أهديها لمن يستحق. وأردف: كانت تلك الحكاية في الرياض، أما في الدمام فقصة أخرى، فقد قصدت بعدها بأيام مطعماً راقياً ومعي ضيف للغداء، وبعد أن أخذ الجرسون الطلبات اتجهت لأغسل يدي، وأنا في معمعة الغسيل وإذ برجل في الخمسينات من عمره عليه سمات الوقار يبادرني: كيف حالك؟ قلت: بخير. فقال: أنا محرج لكني جائع وأريدك أن تدفع فاتورة غدائي. قال صديقي: فأجبته بأن ليس لدي أي نقد (كاش)، فرد الرجل قائلاً: لا أريد نقداً، أريدك أن تدفع فاتورتي فليس لدي مال. قال صديقي: أدفع فاتورتك في هذا المطعم الفخم؟ أجاب الرجل الخمسيني: أنا رجل فقير وجائع، هذه كل القصة. استغرب صديقي من صراحة الرجل، فبادله بصراحة مماثلة: إن كنت جائعاً سأعطيك عشرة ريالات لتذهب لمطعم ليس بعيداً من هنا يبيع حمص وفلافل، أما هذا المطعم فليس للجياع! قال صاحبي: تركت الرجل وعدت لضيفي مستغرباً أن الرجل الخمسيني تبع شخصا آخر من رواد المطعم! ادهشتني الأساليب الابداعية فهي تتطلب قدراً هائلاً من الجرأة؛ هل مقبول أن يوضع كل منا في حرج، وهو يأكل في مطعم أو يطلب طعاماً أو يتسوق من سوبرماركت أو عند خروجه من الصراف وبقبضته ريالات؟ هل هذه هي الطريقة التي علينا أن نتصدق بها؛ غصباً؟ وقد قالت العرب: ما أخذ حياءً أخذ غصباً، من يرد أن يتصدق فسيتصدق بملء إرادته مع سبق الاصرار، أما الترصد للناس عند الاشارة الضوئية والمطعم والحلاق والقصاب ومحلات الحلويات فهذا يعني أن من يدعي الفقر يريد أن يحيا حياتك، وكأنه يقول: أريد اقتسام ما تأكل، وأحلق عند حلاقك، وأتبضع من ذات المحلات التي تتبضع منها! هذا ما يقوله هو، فما الذي تقوله الجهات المختصة بمكافحة التسول؟ أما صديقي فقد أخرج الخمسين ريالا التي استودعها محفظته وأعطاها حارس (السكيروتي) المكتب حيث يعمل، لكن -للمفاجأة- تمنع الحارس ورفض قائلاً: الحمد لله الخير كثير والله ما قصرّ. وبعد إصرار صديقي أخذها شاكراً وتركنا ليحصل رزقه كداً وليس شحاذة.