د. مبارك الخالدي

تعليق دِنْزِلْ واشنطن على سؤال شلاش الضبعان

ود التنويه بأن العنوان يشير الى دِنْزِل واشنطن بدور القبطان وِليام وِيِتكرْ في فيلم(رحلة طيران)،  والى شلاش الضبعان كاتب المقالة (أين سِيَرُ رجالنا؟). في اللحظات الأخيرة من الفيلم، يُبَلّغُ السجينُ وِيِتكرْ بمجيء شخص لزيارته. يخرج من مبنى السجن الى فنائه، فيرى ابنه في انتظاره. يحتضن ابنه مسروراً، ويبدو من تصرفهما أن الابن زار أباه من قبل، ولم يعد الابن الذي طرد أباه من البيت تضامناً مع أمه .كتابات الحياة لا تزدهر في مناخات تتعدد وتتوالد فيها القيود والضواغط، أو قد يحاسب فيها الناس على تفكيرهم ووسوستهم بصوت مسموع. ولهذا عمد بعض من كتبوا السيرة إلى تقسيم سيرهم بحسب الأدوار التي قامت بها ذواتهم الممتدة كما فعل الدكتور غازي القصيبي رحمه الله. يجلس الاثنان تحت مظلة ، ويخبر الابن أباه أنه طُلِبَ منه للقبول في الكلية كتابة مقالة عن»أروع شخص لم التقِ به»، يضع آلة التسجيل أمام أبيه ويسأله: من أنت؟ ينظر ويتكر الى ابنه ويجيب مبتسماً: إنه سؤال رائع؟ يبدو ويتكر وكأنه يعلق على سؤال الضبعان أيضاً، فالسؤالان رائعان، وتنبع روعتهما من ارتباطهما جوهريا بشيء واحد وان وردا في سياقين مختلفين،كما لا تخفى صعوبتهما في الآن ذاته.منشأ صعوبة سؤال الابن أنه لا يريد أن يُعَرِّفُ أبوه بنفسه بقراءة البيانات الشخصية في بطاقته أو شهادة ميلاده، بل من كونه سؤالا عن الهوية، ورغبة الابن في أن يشرع أبوه في عملية تشخيص للذات (self-characterization)، تنتهي بانتاج هويته؛ أي، وبكلمات بول جون إيكن، إنتاج نسخة من نفسه؛ النسخة التي يحب أن يعرضها للآخرين ليعترفوا بها، ويعرضها لنفسه أيضاً. بتعبير آخر، يريد الابن أن يخلق ويتكر هوية سردية له ، بتسريد ذاته الممتدة في الزمن، وخارج اللحظة الراهنة، لحظة تحوله الى مؤلف سيرة ذاتية شفهية، وانقسامه إلى «أنا» ساردة، و»أنا « مسرودة (الذات الممتدة). وهذا مثال لما يحدث في الواقع، حين يتحدث شخص عن نفسه، ولو إلى نفسه. فالسيرة الذاتية، كما يقول ايكن في (Living Autobiographically) «أوضح الأدلة على انشاء الهوية الذي يقوم به الحديث عن أنفسنا وحيواتنا في العالم». لن يكون تسريد الأب لذاته الممتدة سهلاً، لأنها سلسلة من حالات تستحق أو قابلة للتسريد، وأدوار مختلفة في مراحل حياتها ، بالإضافة الى ضرورة الاستجابة لمطلب تساوي زمن الخطاب السردي الشفهي مع زمن اللقاء.لكن ما يقلل الصعوبة أمام ويتكر هو تمتعه بالحرية، لتحرره من القيود والضواغط السياسية والاجتماعية والثقافية، إذ ليس لديه ما يخشى التحدث عنه، فكل تفاصيل حياته يعرفها الناس: إدمانه، ، قيادته الطائرة تحت تأثير المُخَدر، انفصاله عن زوجته وابنه. ويعرفون أنه الطيار البطل الذي  أنزل الطائرة المعطوبة بعدد قليل من الضحايا والمصابين، وانه خلّصَ المرأة التي تَعَرّفَ عليها في المستشفى من استغلال مالك الشقة التي تسكنها بدفعه الإيجار، وأنه اعترف بشرب المخدر وليس زميلته التي وافت أجلها خلال الرحلة، مع أن انكاره كان سينقذه من السجن، لكنه أَبَى أن يسيء الى سمعة زميلته الميتة. ويتكر كتاب مفتوح، فلا أسرار يخشى انكشافها، ولا قيود على حريته.وهذا ما لا يتوفر لمبدعينا. وهنا الصعوبة في اجابة سؤال الضبعان عن سر احجامهم عن كتابة سيرهم الذاتية. السيرة الذاتية نوع من كتابة الحياة (life writing)، وكتابات الحياة لا تزدهر في مناخات  تتعدد وتتوالد فيها القيود والضواغط، أو قد يحاسب فيها الناس على تفكيرهم ووسوستهم بصوت مسموع. ولهذا عمد بعض من كتبوا السيرة الى تقسيم سيرهم   بحسب الأدوار التي قامت بها ذواتهم الممتدة كما فعل الدكتور غازي القصيبي رحمه الله.للدكتور سعيد أبوعالي سيرة ذاتية بعنوان (الهروب الى النجاح)،لم اقرأها بعد. لكن عنوانها يحفزني على التأكيد بوجود ظاهرة الهروب، خصوصاً من كتابة ما يُعرَفُ بـ(tell-all autobiography)، السيرة الذاتية التي تقول كل شيء. وسيستمر الهروب الى أجل غير مسمى!.