حسن السبع

سراب .. مسلسلٌ بلا نهاية !

نعود إلى التاريخ أحيانا، وما أقسى الرجوع إليه! نعود إليه ولسان الحال يقول: «ما أشبهَ الليلةَ بالبارحة»! فقد اختلف الأخوة «الأشقّاء»، فاقتتلوا ببلاهة أربعين عاما. لم يبقَ أحد في تلك الحرب العبثية على الحياد؛ «إذا لم تكن منا فأنت ضدنا». لا توجد في تلك الجحيم منطقة وسطى، ولا مساحة فيها لصوت العقلاء. لم يبق على الحياد سوى زقزقة العصافير، وخرير الماء، وحفيف الأشجار. صاغوا من الحماقة مثلا فقالوا: «أشأم من البسوس» و.. «أشأم من سراب» وما كانت سراب مشؤومة، وإنما الشؤم ساكن في عقول وتصرفات البشر. لكن ذلك، وكالعادة، من قبيل تعليق الإخفاقات ونتائج الحماقات على طرف آخر.  أنَفَة وعزة ونخوة وكرامة وفروسية قيم جميلة، لكن الحماقة تحولها إلى كوارث. ثم أية فروسية وعزة تلك التي تقتل بهيمة بريئة؟ وأية كرامة ونخوة تلك التي تقتل ثأراً لشسع نعلِ القتيل؟ يبدو انه لا توجد منطقة وسطى في ذلك المحيط الانفعالي. ولا مكان في ثقافة الثأر والعنتريات والعصبيات للتفاوض والتسويات: «ناقة بناقة.. ونفس بنفس».. وما كانت سراب سوى ناقة هزيلة لا تستطيع أن تشارك، هذه الأيام، في مسابقات (مزاين الإبل). كانت ناقة جائعة رأت عشبا أخضر فسال لعابها، وشرعت ترتع منه بلا حساب. إلى أن أصاب ضرعَها سهمُ فارسٍ «أشوس» فصرعها، فولّت، كما يقول ابن الأثير، ولها عجيج، حتى بركت بفناء صاحبها. فلما رأتها البسوس صاحت: «واذلاَّه.. واغربتاه»! ثم عالج «أشوس» آخر ـ مصابٌ بـ(متلازمة) العزة والأنفة والنخوة ـ الحماقةَ بحماقة أخرى، فثأر للناقة من قاتلها. أنَفَة وعزة ونخوة وكرامة وفروسية قيم جميلة، لكن الحماقة تحولها إلى كوارث. ثم أية فروسية وعزة تلك التي تقتل بهيمة بريئة؟ وأية كرامة ونخوة تلك التي تقتل ثأراً لشسع نعلِ القتيل؟ يبدو انه لا توجد منطقة وسطى في ذلك المحيط الانفعالي. ولا مكان في ثقافة الثأر والعنتريات والعصبيات للتفاوض والتسويات: «ناقة بناقة.. ونفس بنفس»..  شخَّص ابن الأثير، ودون قصد، ذلك المنطق الانفعالي بقوله: «إذا شُتموا لَطَموا من شتمهم، وإذا لُطِموا قتلوا من لطمهم». وهو شكل من التطرف لخَّصه شاعرهم بقوله: «ألا لا يجهلَنْ أحدٌ علينا/ فنجهلُ فوقَ جهلِ الجاهلينا»! ومن المصادفات العجيبة التي تغري بالتأمل أن اسم الناقة/ القضية (سراب). وما أكثر القضايا التي يحسبها الحمقى قضايا حقيقية، وهي السراب بعينه. سراب يشيع الكراهية والعنف والتوحش، ويصادر أرواح الأبرياء، ويدمر الممتلكات، ويستنزف الثروات، ويبدد القدرات، ويعطل المصالح، ويعيق مشاريع العمران والتنمية، ويكرس التخلف. سراب لا يخلّف إلا الخراب.  اعتذر للمأخوذين بمظاهر الحداثة المادية، والاستهلاك المعرفي والثقافي والتقني فأقول: إن منطقتنا العربية تعيش عصر (ما بعد البداوة) إذا صح هذا التعبير، فهل اختلف الأمر في صراعات ما بعد البداوة؟ ليس كثيرا. تغيرت تكنولوجيا الاحتراب، لكن السراب هو السراب. انتقلنا من سراب البسوس إلى سراب الأيدلوجيات والشعارات والعصبيات بأشكالها المختلفة، وما زال الشعار واحدا «إذا لم تكن منا فأنت ضدنا». لا مكان في أتون هذا الصراع للمحايدين، فزمام الأمور بيد أشخاص انقطعوا عن الواقع، وسوَّقوا الأوهام الكبيرة، وأحاطوا ذلك الجنون، ببعض الهالات واللافتات والشعارات. قطعت الحماقة قولَ كل خطيب وأديب وفنان وفيلسوف ومفكر. وعطَّلت كل شكل من أشكال التفكير الموضوعي. حتى الخبر الذي يفترض أن يكون محايدا لم يعد كذلك، وفي غياب أخلاق المهنة، ورجحان كفة التحيز، يتلوَّن الخبر تبعا لتوجهات المنبر الإعلامي التي يبثه. وبعد: مازال طيف (سراب) ماثلا. وكما قلت في مفتتح هذا المقال، لم يبق في هذا الصراع أو ذاك على الحياد سوى زقزقة العصافير، وخرير الماء، وحفيف الأشجار.