حسن السبع

صندوق الاقتراع وصندوق الطماطم

صدّعوا الرؤوسَ بالحديث عن صناديق الاقتراع، حتى ظننا أنها من اختراعهم، أو أنها جزءٌ من ثقافتهم. ولو نطق صندوق الاقتراع لقال: إن أكثر المتشبثين به اليوم كانوا يعتبرون التصويت مفهوما دخيلا مستوردا. لكن، وعلى قاعدة «اللي تغلب به العب به» قبلوا به على مضض. ولو نطق الصندوق لقال: على قدر الوعي السائد تأتي نتائج الاقتراع. ذلك أن حرية الاختيار في غياب الوعي ناقصة وبلهاء.  نعم. فبالرغم من أهمية صناديق الاقتراع إلا أن الديمقراطية لا تتحقق بين عشية وضحاها، ولا تصبح واقعا بالهتاف واللافتات. ولا تختزل بالصندوق وحده، فهو عنصر واحد من عناصر المعادلة. يقال إذا زرعتَ شجرة فلا تعلّق عليها أرجوحةً في اليوم نفسه. دعها تنمو أولا. لذلك فإن نتائج الاقتراع في مجتمع متقدم تختلف عن نتائجه في مجتمعات لم تنجز بعد حداثتها الفكرية، ولم تبلغ سن النضج الحضاري، لأن شروط وأسباب النضج لم تكتمل، ولم يحن قطافها. وقد تصاحب الانتقال من الطفولة إلى النضج سلسلة من الأخطاء والتجارب المتعثرة.يقال إذا زرعتَ شجرة فلا تعلّق عليها أرجوحةً في اليوم نفسه. دعها تنمو أولا. لذلك فإن نتائج الاقتراع في مجتمع متقدم تختلف عن نتائجه في مجتمعات لم تنجز بعد حداثتها الفكرية، ولم تبلغ سن النضج الحضاري، لأن شروط وأسباب النضج لم تكتمل، ولم يحن قطافها.لو نطق صندوق الاقتراع لكشف المغالطات والتجاوزات التي ترتكب باسمه وأولها الفوز بنسبة 99.99 %، مرورا بشراء أصوات الأحياء، والاستعانة بأصوات الموتى. كما حدث في بعض الانتخابات العربية،  وانتهاء ببلاهة الاختيار القائم على العاطفة وحدها. وفي بيئة تسودها الأمية الثقافية يستطيع (هبنَّقة) الملقب ب (أبي الودعات) أن يرشح نفسه، وينافس أكفأ المرشحين. وقد يفوز فوزا ساحقا لأن نسبة كبيرة ممن سيصوتون له لا يفرقون بين البرنامج الانتخابي وبرنامج ما يطلبه المستمعون. وفي مثل تلك البيئة لا يقبل بنتائج الصناديق إلا الفائز، فإذا جاءت النتائج مخيبة لآماله تنكّر للنتائج وأنكرها، وإذا جاءت لصالحه قلب للآخرين ظهر المجن، وحولهم إلى أشياء. فكأن الصندوق قد منحه صلاحيات مطلقة. فهل أصاب أبراهام لنكولن كبد الحقيقة عندما قال: «لا يستحق الحرية من يحرم الآخرين حريتهم»؟ لا يستطيع أحد أن يجادل في أهمية صناديق الاقتراع، لكن ألم تكن نتائج صناديق الاقتراع، أحيانا، ضد القيم الإنسانية والحضارية؟ ألم تكن في بعض الظروف انتكاسة حضارية وعودة إلى الوراء؟ يورد هاشم صالح في كتابه (الانتفاضات العربية على ضوء فلسفة التاريخ) مثالا على ذلك بما حدث في الولايات الجنوبية من أمريكا التي صوتت لصالح القوانين العنصرية والتمييزية ضد السود، وهي النتائج التي أشعلت فتيل الحرب الأهلية الشهيرة بين الولايات الشمالية والجنوبية أثناء رئاسة لنكولن الذي خاض حربا ضد الجنوب للحفاظ على الاتحاد وإلغاء الرق.   وبعد، ما معايير الاختيار الصائب؟ وما الوعود التي يحملها صندوق الاقتراع؟ وما العائد الحقيقي لهذا الصندوق على مشاريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية؟ وما تأثير نتائج صندوق الاقتراع على سعر صندوق الطماطم (على سبيل المثال لا الحصر)؟ أما سبب التمثّل بصندوق الطماطم بالذات فذلك لأن سعره كان حديث المجالس ومواقع التواصل الاجتماعي في الأيام القليلة الماضية. وبتعبير أكثر مباشرة، ما تأثير تلك النتائج على المستوى المعيشي للمقترعين؟ أسئلة لا ينتظر البيادق المحتشدون في الميادين أجوبة عنها. وما أكثر الذين بُحَّتْ أصواتهم وهم يهتفون للفراغ والسراب، ولذلك الذي يأتي ولا يأتي. والمشكلة ليست في صناديق الاقتراع بل في عقلية المقترعين.