د. مبارك الخالدي

تَحَمُّل/احتمال الآخر!

لا ارتاح لفكرة التسامح، وأعني أن يكون التسامح طبيعة العلاقة بين الأنا والآخر، والآخر بالنسبة لي يبدأ من أقرب شخص إلى الأنا إلى أبعد شخص مهما كان عرقه ولونه ودينه وجنسيته، وإن كان لايربطها به أي رابط سوى انتمائهما الى الجنس البشري. يمثل منبعاً للتوتر المستمر الأحساسُ بأن فكرة التسامح مع الآخر توحي، كما سأوضح لاحقاً، بأن الأنا تتمتع بمستوى أعلى من مستوى الآخر، فكأنها اليد العليا، أو ذات اليد العليا، التي تجود على الآخر الضعيف بتقبله على مضض، والتساهل مع مشاركته إياها المكان، الذي يبدأ هو الآخر من نقطة التماس المباشر مع الأنا الى آخر نقطة في الكرة الأرضية.الآخر مرآة الأنا؛ فيه ترى صورتها، وعامل جوهري في تحديد هويتها ووعيها بنفسها حين تواجه، وهو مايحدث دائماً، السؤال الصعب: من أنا؟. سؤال لايمكنها الإجابة عنه في غياب الآخر، أو عدم وجوده. والتحمل ينطوي ضمنياً، من وجهة نظري، على التسليم باستحالة الخلاص من الآخر، وبالاعتراف به، والإقرار بحتمية العيش والتعايش معه. هذا الاعتراف حتى وإن حدث مواربةً، عبر التحمل، يُخلِّصُ العلاقة من استعلاء الأنا واحساسها بالفوقية تجاه الآخر، لتعريته وتأكيده حاجتها الوجودية إلى الآخر.ثمة مستوى أفضل وأرقى من التسامح، أؤكد ضرورة صعود علاقة الأنا بالآخر إليه؛ وهو المستوى، أو العلاقة التي ضاعت في الترجمة أو بسببها، وإن ظلت أثراً متشبثاً بالكلمة الإنجليزية (tolerance)، ومفقودة في المصطلح «تسامح» الذي اختاره المترجم مقابلاً للكلمة الانجليزية، واستخدمه لأول مرة في العالم العربي الكاتب اللبناني فرح انطوان في العام 1903 عندما فر من لبنان الى الاسكندرية هربا من النزاع الطائفي العرقي، كما أوضح الدكتور جابر عصفور خلال ندوة فكرية في معرض أبوظبي السابع عشر للكتاب. إن «تسامح» ترجمة صحيحة وموفقة، بيد أنها ليست ملائمة كفاية لتحديد ما ينبغي أن تكون عليه العلاقة بين الأنا والآخر، لأنها تؤصل كما يشير عصفور لنظرة فوقية بين المجتمعات؛ فكأن الأنا المتسامحة أقوى، لذا تسامح، وتعفو عن الآخر الضعيف كما لو أنه إقترف ذنباً أو خطيئة. أعتقد لو تأنّى المترجم قليلاً، ووقف بالكلمة متأملاً ومفكراً لوقت أطول لربما اختار المقابل الأكثر ملاءمة، لكنه لم يفعل ذلك، فاختار المعنى الثاني «سماح/تسامح»، الأقرب زمنياً والأحدث  لكلمة (tolerance)، وقد اكتسبته في العام 1765، والتف حوله بمرور الايام معان أخرى كالتساهل، الرحمة والإحسان، والتعاطف والرقة- معان كلها تفيد بوجود طرف مرسل في مقام أرفع من مقام الطرف المستقبل.سيكون الأمر مختلفاً لو أن المترجم اختار المعاني الأولى والأقدم للكلمة، وكانت تستعمل للتعبير عنها منذ زمن غير معلوم، ولكنه بالتأكيد كان قبل عام 1420 م، عندما تغيرت الطريقة التي تكتب بها  من (tolleraunce) الى (tolerance )، وكانت تعني ولاتزال «احتمال/تحمل وجلد». ويشير تاريخ اشتقاقها إلى دخولها الإنجليزية من الفرنسية الوسيطة (tolerance)، من اللاتينية(tolerantia/تحمل/احتمال)، من الفعل(tolerans)،المعادل لـ(present participle) الفعل المنتهي بـ»ing» في الانجليزية، من الفعل اللاتيني (tolerare) ويعني «يحتمل أو يتحمل /يطيق». والاحتمال أو التحمل هو المعنى الذي ضاع عند ترجمة الكلمة الانجليزية الى «تسامح»، التي بوأت الأنا مرتبة أرفع من مرتبة الآخر، ما جعل العلاقة بينهما فارغة من التكافؤ. وهذا ما لا يحدث عند استعمال الكلمة الانجليزية حتى في حال تغليب التسامح، فان التحمل يظل عالقاً بالكلمة ،وغير غائب كلياً عن وعي من يستخدمها تحدثاً أو كتابة.التحمل هو ما أرى ضرورة أن يشكل أساس علاقة الأنا بالآخر، لأن الآخر  قدرها، قرينها الذي تحتاجه، وليس من مصلحتها الفكاك منه لأنها لا تستطيع تحديد نفسها إلا بمواجهتها إياه على حد تعبير جاك دريدا. الآخر مرآة الأنا؛ فيه ترى صورتها، وعامل جوهري في تحديد هويتها ووعيها بنفسها حين تواجه، وهو ما يحدث دائماً، السؤال الصعب: من أنا؟. سؤال لايمكنها الإجابة عنه في غياب الآخر، أو عدم وجوده. والتحمل ينطوي ضمنياً، من وجهة نظري، على التسليم باستحالة الخلاص من الآخر، وبالاعتراف به،  والإقرار بحتمية العيش والتعايش معه. هذا الاعتراف حتى وإن حدث مواربةً، عبر التحمل، يُخلِّصُ العلاقة من استعلاء الأنا واحساسها بالفوقية تجاه الآخر، لتعريته وتأكيده حاجتها الوجودية إلى الآخر.