اشتباكات العيد السعيد
غدت أحاديثنا في العيد رتيبة، ولعل رتابتها مستمدة من أننا نتفادى التقاطع مع مناطق التماس وتخطي الخطوط الحمراء، فمثلاً قد تكون أنت ضد الانقلاب على الاخوان في حين أن من قطعت المسافات لزيارته والتواصل معه في العيد معه فما أن تفتح الموضوع حتى يتضح التباين وتنقلب زيارة العيد الخفيفة إلى «هوشة» ثقيلة! أو تخيل أنك قررت أن تتحدث عن سوريا؛ ففيما عدا العبارات العامة قد تجد نفسك وجهاً لوجه ضد مضيفك، إذ لن يكفي ان تكون مع المعارضة بل مع أي معارضة أنت؟ أي أن النقاش سيفضي إلى «وقفات نفس» وهو ما يتعارض مع التحاب والتآلف في زيارات العيد. والحذر واجب حتى عندما يخطر ببالك أن تخفف الوقع بالحديث عن مسلسلات رمضان، فإن ذكرت «العراف» لعادل إمام فسيحقق معك أحدهم حول احدى الشخصيات ليستشف موقعك الفكري من أحداث مصر، فإن كان متفقاً معه فقد ترتفع مكانتك عنده ليدعوك للغداء ظهر اليوم التالي، أما إن كنت مع الفكر المعارض فأنت تخاطر بأن يضعك على قائمة المقاطعة وممن لا يحبذ الاحتكاك بهم، ولن يكون الوقع أخف إن تناولت احد مشاهد أو أحداث «سنعود بعد قليل» لدريد لحام فأنت تخاطر بفتح ملف القضية السورية على مصارعه وسط رشفات القهوة وأصناف الحلويات وأحاديث تتطلب طبيعة المناسبة (مناسبة العيد) ان تكون ودية. وإن قررت الابتعاد عن السياسة جملة وتفصيلاً حتى وإن كانت مجرد مسلسلات درامية وأن تنتقل للكوميديا كأن تتحدث مبتسماً على «أبو الملايين» أو «واي فاي» فأنت بالفعل تخاطر بان يذكرك بعض الجلوس بأن «الركادة زينة». وحتى إن هجرت الجد والهزل السياسي ورغبت الانتقال للحديث عن رؤية الهلال فإنك ستدخل مجالاً قد تكتشف معه أن نصف المجتمع متبحر في الفلك ومنازل الأهلة، وستتوالى الأسئلة والاستدلالات والردود والردود المضادة مصحوبة بحماسة وكأنك في ضيافة برنامج «الاتجاه المعاكس» وليس في زيارة تهنئة ومباركة بالعيد السعيد! ولن ينفعك كثيراً إن تحدثت عن السفر في العيد، فقد تسمع ما لا يسرك عن مزايا قضاء العيد مع الأهل أو أن يحشرك احدهم في خصوصيات وضعه المالي وأنه كان بوده أن يسافر لكن ما بالجيب حيلة! بالنسبة لي، وليس بالضرورة أن في تصرفي أي حذق، فقد تشبثت بنشرة الأرصاد، فحديثي المفضل كان عن نسبة الرطوبة ودرجة الحرارة، وأن استنفدنا الحديث عن الطقس أنتقل سريعاً للحديث عن الرطب والتمور. وزيارات العيد هي عادة زيارة قصيرة وخفيفة فنجان قهوة وقطعة حلوى وختامها «أشرف الأعياد» وأمسك الباب، أما ان تغوص في قضايا السياسة والاقتصاد والمجتمع فذلك مما لا تتحمله المناسبة ولا يتسع له الوقت، ثم أنها مناسبة جميلة نريد فيها للبهجة والود أن يسودا. ثم علينا ان نتذكر أننا نعيش مع مناوشاتنا الفكرية والاقتصادية ليل نهار، فما ان تنفك عن مجادلاتك مع الربيع حتى تتابع عبر شاشة جوالك «غزوات» تويتر ووسومه. ولعل من أوقع ما وصل في العيد من تغريدات حول هذا الأمر، تعليق لاحداهن تشتكي بأنها زارت أهلها لتعايد بهم فكان الحديث على مائدة العيد ما تتهم به الأثيوبيات من ذبح للأطفال! وبالقطع ليس مطلوبا أن يتنازل أحد عن قناعاته في العيد، لكن كما قالت العرب قديماً «لكل مقام مقال»، ومقال الزيارات الودية لايتسع لنقاشات عميقة وجدلية..لكن هذه «الهدنة» لن تطول لنعاود بعدها جدالاتنا التي لم ولن تنتهي، ويبقى العيد عنوانا للبهجة وللفرحة وللقاء الأهل والأحبة، وتبقى القضايا المزمنة تستنفد أعياداً ولا تنتهي لكنك في العيد تتلمس السعادة والبشر في أوجه وأنفس ألفتها وألفتك تودها وتودك وتحبها وتحبك، ولذا فأنت تحرص أن تراها لعلك تحظى بجرعة أمل وسعادة فتلك السحنات للأهل والأصدقاء والمعارف هي مرتكزك ومربط اطمئنانك بعد الله سبحانه.