الفرص المطلوبة للشباب العربي
ربما تكون القلاقل التي تمر بها بعض الأوطان العربية عائدة إلى غضب الشباب من قلة فرص العمل والحياة الكريمة. فقد تضاعف عدد سكانها منذ 1970م ثلاث مرات، ليصل إلى 350 مليوناً، ويتوقع أن يصل العدد في 2050م إلى 600 مليون نسمة. وفيما يخص التعليم هناك تقدم في عدد المدارس، وانتشارها في المناطق المختلفة لأغلب البلدان العربية. ففي السعودية على سبيل المثال تقلصت الأمية، حيث كانت في 1960م تصل نسبتها إلى 90%، لتصبح 3% من عدد السكان، وربما أصبحت 1% في سن الشباب المؤهل للمدرسة.أظهرت دراسات أخرى أن البلدان العربية تتميز بكون البنات يتفوقن على البنين في التحصيل العلمي، وبنسب واضحة من الفرق بينهما؛ ولذلك أصبحت أعداد الطالبات في أغلب البلدان العربية أكبر من أعداد الطلاب. غير أن أعداد الوظائف المهيأة للخريجات أقل كثيراً من عدد الوظائف المعدة للخريجينغير أن الناحية الإحصائية ليست هي الأهم في شأن التعليم، حيث لم يصاحب هذا التقدم في ارتفاع الأعداد تقدم في كيفية التعليم. فالسعودية تنفق نسبة عالية من الدخل القومي على بناء المدارس وتجهيزها؛ وفي الواقع أكبر مما تنفقه الدول الغنية. لكن الاختبارات التقنينية العالمية التي أجريت مؤخراً، لتقيس درجات التقدم في الرياضيات والعلوم عالمياً المسماة TIMSS (Trends in International Mathematics and Science Study) أظهرت أن أقل من نصف السعوديين في عمر 13 سنة قد وصلوا إلى مرحلة الحد الأدنى عالمياً في هذه المقاييس، مقارنة بنسبة 99% في كوريا الجنوبية و88% في انجلترا. كما أن نسبة الأطفال السعوديين الذين حققوا مستوى متقدماً لم تتجاوز 1%، مقارنة بنسبة 47% في كوريا الجنوبية و8% في انجلترا. وهذا يدل على أن المدارس السعودية ليست فقيرة في الناحية الكيفية من التعليم فحسب، بل إنها أيضاً لم تستطع تشجيع التلاميذ الأذكياء على تحقيق مستويات متقدمة. كما أن المناهج السعودية ربما تسهم في تشتيت أذهان التلاميذ عن التركيز على العلوم العصرية، خاصة الرياضيات والعلوم. ولم تكن السعودية هي الوحيدة في هذا العجز عن اللحاق بعلوم العصر؛ بل إن اختبارات TIMSS في البلدان العربية قد وضعت تسعة من هذه البلدان في قائمة العشر الأخيرة في العالم من مجموع 63 بلداً شاركت في هذه الاختبارات. حتى ان قطر، البلد الأعلى عالمياً في دخل الفرد، قد أظهرت مستوى أدنى من الدرجة التي وصلت إليها ألبانيا – البلد الفقير جداً – في كل من القراءة والعلوم والرياضيات في دراسة عالمية أجرتها OESD عام 2009م. لكن المشاكل لا تتوقف عند هذا الحد؛ فقد أظهرت دراسات أخرى أن البلدان العربية تتميز بكون البنات يتفوقن على البنين في التحصيل العلمي، وبنسب واضحة من الفرق بينهما؛ ولذلك أصبحت أعداد الطالبات في أغلب البلدان العربية أكبر من أعداد الطلاب. غير أن أعداد الوظائف المهيأة للخريجات أقل كثيراً من عدد الوظائف المعدة للخريجين؛ ففي الجزائر على سبيل المثال لا تتجاوز نسبة وظائف الإناث 15% من الوظائف المعدة للشباب، مقارنة بنسبة 58% في الولايات المتحدة الأمريكية. أما المحرك الآخر للشباب، فهو ضعف البنية الاقتصادية لإسكان الشباب في المدن العربية الكبيرة على وجه الخصوص. فبالإضافة إلى البطالة، وقلة فرص العمل الجيد والمناسب لبناء أسرة متزنة، تبدو قضية صعوبة وجود السكن المتوافق مع الدخل الضعيف للشاب العربي، والمقارب لطموحه، أحد أهم المحبطات في حياة الشباب. وقد انتبهت بعض الحكومات العربية إلى هذه المشكلة المؤرقة لهم في المدن المكتظة، فسعت إلى إيجاد فرص عمل جديدة في مدن تنشأ في مناطق بعيدة وقليلة التكلفة في مساكنها، لكن بعض البلدان الأخرى ما زالت تعاني من هذه القضية التي تزيد الناحية الأمنية قلقاً. وربما يسهم في تفاقمها ارتفاع درجة الفساد في طبقات المشتغلين بتجارة الأراضي والعقار، ممن يهمهم بقاء الأزمة مشتعلة، ليحققوا أرباحاً كبيرة من جراء استمرارها. وخلافاً للحلول الجذرية تلجأ بعض البلدان إلى اجراءات مؤقتة تخفف على المواطنين، أو تؤدي إلى انشغالهم عن المطالبات بحلول المشكلات الكبيرة. فقد أكدت التقارير الاقتصادية أن بعض البلدان ذات الدخل المتدني، تنفق على دعم أسعار الوقود، لتبقى متدنية؛ ففي اليمن على سبيل المثال، تنفق 6% من الدخل القومي على دعم الوقود (وهو أكثر مما يقدم في مجال التعليم والصحة مجتمعين)، وأغلب هذا الدعم يتجه للديزل؛ وذلك من أجل تسهيل استمرار المزارعين في تشغيل مضخات الماء الزراعية، التي تؤمن توفير إنتاج القات، الذي يؤمن بدوره بقاء الملايين هادئين، وقابعين في ركن للتخزين .. وهنيئاً للعرب بعبقرياتهم!